هل يجوز للطبيبة المقيمة في غرفة العمليات جمع الصلوات؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

أعمل طبيبة مقيمة، والنوبة اثنتا عشرة ساعة متصلة، وفي غرفة العمليات لا أستطيع الخروج ساعات. أخرج فأجد الظهر والعصر قد اجتمعا عليّ فأصليهما معًا. أهذا جمعٌ صحيح، أم أنا آثمة بتأخير الظهر؟

وما الذي يلزمني ترتيبه في عملي؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

يجوز لك الجمع بين الصلاتين في هذه الحالة، وأنتِ بإذن الله تعالى غير آثمة

والصلاة لها مكانة عظيمة في الإسلام فهي الركن الثاني منه بعد الشهادتين، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة عليها وعلى أدائها في أوقاتها المحددة. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ كِتَـٰبࣰا مَّوۡقُوتࣰا﴾ [النساء: ١٠٣]

يجوز عند جمهور الفقهاء الجمع بين الصلاتين لمثل هذه الضرورة. بل ذكر العلماء أنه إذا دار الأمر بين فوات وقت الصلاة أو هلاك نفس، فإن إنقاذ النفس يقدم على الصلاة.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى في «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» عند مثاله لموازنة المصالح

«الْمِثَالُ الثَّامِنُ: تَقْدِيمُ إنْقَاذِ الْغَرْقَى الْمَعْصُومِينَ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ، لِأَنَّ إنْقَاذَ الْغَرْقَى الْمَعْصُومِينَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُنْقِذَ الْغَرِيقَ ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ،

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا فَاتَهُ مِنْ مَصْلَحَةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُقَارِبُ إنْقَاذَ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ مِنْ الْهَلَاكِ». [العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ١/٦٦]عملك في غرفة العمليات ينقذ أرواحًا ويحفظ الأنفس، وهذا من أعظم مقاصد الشريعة

وأما إمام الحرمين فقد ذكر في ذكره أعذار التخلف عن صلاة الجمعة : «إنْ خَافَ هَلَاكَهُ إنْ غَابَ عَنْهُ فَهُوَ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، قَالُوا: لِأَنَّ إنْقَاذَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْهَلَاكِ فَرْضُ كِفَايَةٍ». [النووي، المجموع شرح المهذب، ٤/٤٩٠]

العمل الطبي الذي تؤدينه يدخل في هذا الباب من باب أولى: إنقاذ النفس المحترمة

لكن ينبغي عند الجمهور — وخاصة الشافعية — توفر شرط مهم: نية التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع

«قَالَ الْأَصْحَابُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْفَرْضَ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً». [النووي، المجموع شرح المهذب، ٤/٣٧٦]

معنى هذا: عندما تكونين في غرفة العمليات وتعلمين أن الظهر قد دخل وقته، ولا تستطيعين الخروج، ينبغي أن تنووا جمع الظهر مع العصر قبل أن ينتهي وقت الظهر. والنية هنا قلبية بسيطة: أنكِ تقررين تأخير الصلاة لضرورة عملك

وإن سنحت لك فرصة قصيرة في أثناء العمل — حتى لو في غرفة العمليات نفسها — فتوضئي وصلي الفريضة الواجبة في وقتها

إن أمكنكِ تنسيق نوبتك — أو طلب تعديل في جدول العمل بما يسمح بفرصة للصلاة — فهذا أفضل. لكن لا يلزمك ترك العمل الذي فيه منفعة دينية ودنيوية

والله أعلم

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن

من مشايخه الذين قرأ عليهم

والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد