القطعيُّ والظنيُّ: كيف يثبت الفرضُ عند الحنفية، ولِمَ افترق عن الواجب، ومتى يكون الجحودُ كفرًا
يجيب عن السؤال الشيخ فراز الرباني
السؤال
في المذهب الحنفي: هل الفرضُ ثابتٌ بدليلٍ قطعيٍّ حتى يكونَ جحدُ كلِّ فرضٍ كفرًا، بخلاف الواجب؟ وكيف يثبت الدليلُ القطعيُّ في أركان الصلاة والزكاة والحج؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
أصبتَ في الشطر الأول: فالفرضُ عند الحنفية ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ، والواجبُ ما ثبت بدليلٍ ظنيٍّ. لكنْ لا يلزم من هذا أن يكون جحدُ كلِّ فرضٍ كفرًا وجحدُ كلِّ واجبٍ غيرَ كفرٍ؛ فإنما يصير الجحودُ كفرًا إذا كان المجحودُ معلومًا من الدين بالضرورة، لا لمجرَّد كون دليلِه قطعيًّا.
وحاصلُ المسألة أن في سؤالك ميزانين قد التبس أحدُهما بالآخر، وجِماعُ الجواب أن نفرِّق بينهما ونُنزِّل كلَّ مسألةٍ على ميزانها.
ميزانان لا ينبغي الخلطُ بينهما
الميزانُ الأول يَزِنُ قوةَ الدليل وأثرَها في صحة العمل، وعليه تترتَّب المراتبُ: فرضٌ، فواجبٌ، فسنةٌ، فما دونها. والميزانُ الثاني يَزِنُ الحكمَ على الجاحد نفسِه: أيخرج بجحوده من الإيمان فيكفُر، أم يبقى مؤمنًا عاصيًا ففاسقًا؟
والميزانان يلتقيان في كثيرٍ من المواضع، غيرَ أنهما ليسا خطًّا واحدًا؛ فقد يكون الحكمُ فرضًا مُحكَمَ الثبوت ولا يكون جحدُه كفرًا، لأن الحكمَ بالكفر مأخوذٌ من الميزان الثاني لا من الأول. وهذا هو المِفصَلُ الذي عليه مدارُ سؤالك كلِّه.
كيف يثبت الدليلُ القطعيُّ عند الحنفية
القطعُ عند الحنفية يُنظَرُ فيه من جهتين، ولا يتمُّ الفرضُ إلا باجتماعهما. أولاهما قطعيةُ الثبوت: أن يَرِدَ النصُّ بطريقٍ لا يَحتمل شكًّا معتبَرًا في صحة وروده؛ وذلك القرآنُ والمتواترُ من السنة، وللمشهور رتبةٌ تلي القطعَ وتُلحَقُ به في إفادة العلم. والثانية قطعيةُ الدلالة: أن يَدُلَّ اللفظُ على معناه دلالةً لا تَقبل تأويلًا صحيحًا يصرفُها عنه.
وبين الجهتين فرقٌ دقيقٌ ينبغي تحريرُه: فالقرآنُ قطعيُّ الثبوت، وقد تكون دلالةُ بعض آياته ظنيةً تَحتمل أكثرَ من وجهٍ؛ وخبرُ الآحاد ظنيُّ الثبوت وإن كانت دلالتُه قد تكون واضحةً. فإذا اجتمع القطعُ في الثبوت والدلالة معًا فهو الفرض، وإذا تطرَّق الظنُّ إلى إحداهما انحطَّ الحكمُ إلى الواجب أو ما دونَه.
وهذا أصلٌ قرَّره الإمامُ السرخسيُّ في «أصوله»، وحرَّره فخرُ الإسلام البزدويُّ، وبسَطه العلامةُ عبد العزيز البخاريُّ في «كشف الأسرار»، ونظَمه أبو البركات النسفيُّ في «منار الأنوار» الذي عليه مدارُ تدريس الأصول عند متأخِّري الحنفية، رحمهم الله تعالى جميعًا.
الفرضُ على القطعيِّ، والواجبُ على الظنيِّ
ومن هذا الأصل تتفرَّع المرتبتان، وحدُّهما عند المذهب: الفرضُ ما ثبت بدليلٍ قطعيٍّ لا شبهةَ فيه، فيَكفُرُ جاحدُه؛ والواجبُ ما ثبت بدليلٍ ظنيٍّ فيه شبهةٌ، فلا يَكفُرُ جاحدُه، ويَفسُقُ تاركُه.
وقد لخَّص الأصوليون الفرقَ فقالوا: الواجبُ يَلزَمُ عملًا لا اعتقادًا، إذ لا يُفيد دليلُه اليقينَ الجازم؛ والفرضُ يَلزَمُ فيهما جميعًا. وثمرةُ ذلك أن تركَ الفرض يُبطِل العملَ، وتركَ الواجب يُنقِصُه مع بقاء صحته ويُجبَرُ نقصُه، كما يَجبُرُ سجودُ السهو تركَ الواجب في الصلاة سهوًا.
ويتَّضح ذلك بأمثلة المذهب: فقراءةُ الفاتحة، والوترُ، وصدقةُ الفطر، إنما هي واجباتٌ لا فرائضُ عند الحنفية، لأن مستندَها لم يبلغ القطعَ في الثبوت أو الدلالة؛ فمَن تركها أساء وأثِم ولزِمَه التدارُك، ولكنْ لا يَكفُرُ جاحدُها لقيام الشبهة في دليلها.
القرآنُ يؤصِّل المحكمَ والمتشابهَ
وليس هذا التقسيمُ اصطلاحًا متأخِّرًا أحدثه الفقهاء، بل القرآنُ نفسُه أطَّر آياتِه بهذا الميزان. قال الله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ» [آل عمران: ٧]. فجَعل المحكمَ أصلًا تُرَدُّ إليه الفروعُ، والمتشابهَ ما يَفتقر إلى البيان والتأويل؛ وعليه جرى الإمامُ النسفيُّ رحمه الله تعالى في تفسيره «مدارك التنزيل». فما القطعيُّ والظنيُّ عند الأصوليين إلا تحريرٌ منضبطٌ لهذا التمييز القرآنيِّ عينِه.
إنما يكون الجحودُ كفرًا فيما عُلم من الدين بالضرورة
وهنا ينحلُّ إشكالُك: فالحكمُ بالكفر لا يتعلَّق بجحد كلِّ فرضٍ من حيث هو فرضٌ، وإنما يتعلَّق بجحد ما عُلم من الدين بالضرورة؛ أي ما تواطأ على نقله الخاصُّ والعامُّ، وبلغ من الاشتهار حدًّا لا يكاد يجهلُه مَن عاش بين المسلمين. وقد قرَّر هذا القيدَ العلامةُ التفتازانيُّ رحمه الله تعالى في «شرح العقائد النسفية»، وبنى عليه ابنُ عابدين في باب المرتد.
فوجوبُ الصلوات الخمس، والزكاةِ، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت على المستطيع: أمورٌ ثابتةٌ قطعًا، معلومةٌ من الدين بالضرورة؛ فجاحدُ وجوبِها كافرٌ، لا لأن دليلَها قطعيٌّ فحسب، بل لأنها مع قطعيتها معلومةٌ للخاصة والعامة. أما حُكمٌ لا يعرفه إلا الخاصةُ، أو مقدارٌ منقولٌ كنصاب الزكاة وكونِها رُبعَ العُشر، فقد تَعرِض فيه الشبهةُ في حق المعيَّن؛ فجحدُه خطأٌ، بل قد يكون جسيمًا، ولا يلزم أن يكون كفرًا، لتخلُّف الشرط الثاني وهو العلمُ الضروريُّ العامُّ.
فلذلك لا يَقرأ المحقِّقُ حكمَ الكفر من لفظ الفرض رأسًا؛ فاللفظُ يُنبِئك أن الحكمَ مُحكَمُ الثبوت وأن تركَ العمل يُبطِله، وأما خروجُ الجاحد من المِلَّة فمسألةٌ أخرى تُحسَمُ على الميزان الثاني.
الحنفيةُ يَدرَؤون التكفيرَ بأدنى شبهةٍ
وقد نصَب الفقهاءُ أمام باب التكفير حُرَّاسًا غِلاظًا، وفي هؤلاء الحُرَّاسِ تكمُنُ رحمةُ هذا الباب وسَعتُه. قال العلامةُ ابنُ عابدين رحمه الله تعالى في باب المرتد من «رد المحتار»: «لا يُفتى بكفر مسلمٍ أمكن حملُ كلامِه على محملٍ حسنٍ، أو كان في كفره خلافٌ ولو روايةً ضعيفةً».
وزاد قاعدةً مأخوذةً من كتب الفتاوى: إذا اجتمع في المسألة وجوهٌ كثيرةٌ توجِب التكفيرَ ووجهٌ واحدٌ يمنعُه، فعلى المفتي أن يَميل إلى الوجه المانع إحسانًا للظن بالمسلم. فتكفيرُ المعيَّن محوطٌ حتى إن الاحتمالَ الواحدَ الصحيحَ يَدفعُه.
وهذا موافقٌ لما أصَّله الإمامُ الطحاويُّ رحمه الله تعالى في عقيدته: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يَستحِلَّه». والأصلُ في المسلم بقاءُ إيمانه، فلا يُزال بالشكِّ. وقد عظَّم الشارعُ أمرَ المسارعة إلى الرَّمي بالكفر، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافرُ، فقد باء بها أحدُهما» [صحيح البخاري، صحيح مسلم].
فلْيُسكِّنْ هذا قلبَك لا أن يُقلِقَه. فإن طالبَ العلم قد يَصرِف هذه الحدودَ إلى نفسه فيخافُ على إيمانه لخاطرٍ عرَض، أو يَزِنُ إخوانَه بهذا الميزان فيَجرُؤُ على ما لا يَجرُؤُ عليه الراسخون. وتلك وسوسةٌ لا تقوى، والعملُ بها ليس احتياطًا؛ بل المذهبُ الذي حدَّ الكفرَ بهذه الدقة هو نفسُه الذي نهاك عن التعجُّل في إنزاله.
تنزيلُ ذلك على الصلاة والزكاة والحج
وقائمتُك تَجمع بين الأركان والشروط والواجبات في العبادات الثلاث، وكلٌّ منها يُوضَع على الميزانين على حِدَة. فوجوبُ الصلاة نفسِها، والزكاةِ، والحجِّ: فرضٌ معلومٌ بالضرورة، وجحدُه كفرٌ. وأما القيامُ والركوعُ والسجودُ فأركانٌ ثابتةٌ قطعًا يُبطِل تركُها الصلاةَ، لكنَّ هذا في باب الصحة لا في الحكم على الاعتقاد. وأما قراءةُ الفاتحة فواجبةٌ عند الحنفية لا فرضٌ، فتركُها يُنقِص الصلاةَ مع صحتها ويُجبَر بسجود السهو، ولا يكون جحدُها كفرًا.
فرِّقْ بين الميزانين، وادرُسْهما على ترتيبهما
والأصلُ الذي تَحمِله من هذا كلِّه: أن قوةَ الدليل تُحدِّد كونَ العمل فرضًا أو واجبًا، وكونَ تركِه مُبطِلًا أو مُنقِصًا؛ وأن العلمَ الضروريَّ بالدين يُحدِّد كونَ الجحود كفرًا أو فسقًا. فإذا فرَّقتَ بينهما صفا لك البابُ وهان، وزال عنك ما يُخالِطُه من الوحشة.
وحتى تَستبينَ البناءَ كلَّه على ترتيبه، فادرُسْ أصولَ الفقه دراسةً منظَّمةً على يدِ شيخٍ متمكِّنٍ، حيث تُبنى مراتبُ الأدلة وشروطُ التكفير لَبِنةً لَبِنةً؛ فهنالك يجد كلُّ مسألةٍ من قائمتك موضعَها الذي تستقرُّ فيه.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
الشيخ فراز الرباني
الشيخ فراز الرباني عالم متخصص في العلوم الإسلامية، تلقّى العلم على أيدي عدد من كبار العلماء في العالم الإسلامي. وهو مؤسس ومدير تنفيذي لمؤسسة SeekersGuidance.
يُعدّ الشيخ فراز الرباني من العلماء البارزين في مجال الدراسات الإسلامية، وقد اتسمت رحلته في طلب العلم بالجد والمثابرة وعمق التكوين. أمضى عشر سنوات في دراسة العلوم الشرعية على أيدي نخبة من كبار علماء عصره، فبدأ طلبه للعلم في دمشق، ثم واصل دراسته في عمّان، الأردن.
وفي دمشق، تشرّف بالدراسة على العلامة الراحل الشيخ أديب الكلاس، الذي عُرف بكونه من أبرز علماء العقيدة في عصره. كما درس على الشيخ حسن الهندي في دمشق، وهو من كبار فقهاء المذهب الحنفي في عصرنا.
وبعد إتمام دراسته، عاد الشيخ فراز إلى كندا عام 2007، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من خدمته للمجتمع. وهناك أسس مؤسسة SeekersGuidance، التي تجسّد التزامه بنشر العلم الشرعي وتيسيره للناس. وتسعى المؤسسة إلى تقديم علم إسلامي موثوق، معاصر في طرحه، ملهم في أثره، ومتاح للجميع، بما يلبي احتياجات المسلمين عبر الإنترنت وفي مجتمعاتهم على أرض الواقع.
والشيخ فراز الرباني مؤلف كذلك، ومن أبرز أعماله كتاب «أصول الإسلام: الإيمان والصلاة وسبيل النجاة على مذهب الإمام أبي حنيفة»، الذي صدر عن White Thread Press عام 2004، ويُعد إسهامًا مهمًا في الأدبيات الإسلامية المعاصرة.
ويمتد أثره إلى ما وراء مجتمعه المحلي؛ فمنذ عام 2011، أُدرج الشيخ فراز الرباني ضمن قائمة أكثر 500 مسلم تأثيرًا في العالم، التي يصدرها المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية. ويعكس هذا التكريم مكانته وأثره في الخطاب الإسلامي على المستوى العالمي.
وتجسّد حياة الشيخ فراز الرباني وعمله التزامًا عميقًا بالعلم الشرعي وخدمته ونشره. ولا تزال دروسه وتعاليمه تسهم في إنارة طريق طالبي العلم وتوجيههم في مختلف أنحاء العالم.
