هل يتمثّل الجنّيُّ في صورة حيّة؟ وإشكالُ قبول الحديث
أجاب عنه الشيخ باسم عيتاني
السؤال
قرأتُ الأمرَ بإنذار الحيّات قبل قتلها، وأنّ فتًى قُتِلَ بعد أن قتل حيّةً كانت جنيًّا، ويستشكل عقلي هذا وأكاد لا أصدّقه.
فهل يلزمني أن أتوجّس عند قتل كلّ حيّةٍ أنّها جنّي؟ وماذا لو كانت سامّة؟ ولِمَ لا يتشكّل الجنُّ في صور الحيوانات فيقتلوا من شاؤوا؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛
لا حرج عليك في أن يستشكل عقلك بعض الأخبار الغيبية عند أول سماعها، ما دمت تطلب الفهم ولا ترد الخبر الصحيح لمجرد استبعاده؛ فالاستشكال طلبًا للفهم غير ردِّ الخبر، وأمور الغيب إنما تُعرف بالوحي.
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ بالمدينةِ جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذِنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان.» [رواه مسلم]
وثبت أنه قال: «إنَّ لهذه البيوتِ عوامرَ، فإذا رأيتم منها شيئًا فحرِّجوا عليها ثلاثًا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه.» [رواه مسلم]
فيدل هذان الحديثان على أن بعض الجن قد يتمثل في صورة الحية، وهو أمر غيبي نؤمن به لثبوت الخبر الصحيح، من غير تكلف في بيان كيفيته.
وقد بيّن الإمام النووي رحمه الله تعالى أن المقصود إنذار عوامر البيوت، فإن لم تنصرف بعد الإنذار عُلم أنها ليست من عوامر البيوت ولا من الجن المسلمين، بل تُقتل، وليس معنى الحديث أن كل حيّة جنّي، أو أن المسلم ينبغي أن يتوجس من جميع الحيات. [ينظر: النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ١٤:٣٩١–٣٩٢]
كما نقل الحافظ ابن حجر عن الإمام القرطبي رحمهما الله تعالى أن الأمر بالإنذار محمول على الإرشاد، أما إذا كانت الحية محققة الضرر، أو هاجمت الإنسان، فإنها تُقتل دفعًا لأذاها. ولذلك استثنت السنة نوعين من الحيات شديدي الخطر: الأبتر، وهو الحية قصيرة الذنب، وذا الطفيتين، وهو الذي على ظهره خطان أبيضان، فأمرت بقتلهما مباشرة لما عُرف من شدة أذاهما. [ينظر: ابن حجر، فتح الباري، ٦:٤٠١–٤٠٢]
وأما قولك: إذا كان الجن يتمثلون في صورة الحيات، فلماذا لا يتمثلون في صور الحيوانات ويقتلون الناس؟ فالجواب: الجن مخلوقون من مخلوقات الله تعالى، تجري عليهم السنن التي قدّرها الله لهم، ولهم قدرات وخصائص لا نحيط بها علمًا، كما أن لهم حدودًا لا يتجاوزونها.
وليس من اللازم أن يدرك العقل جميع ما يتعلق بعالمهم؛ لأنه من عالم الغيب الذي لا يُعرف إلا بالوحي. ولذلك نقف عند ما ثبت في النصوص، فلا نثبت إلا ما أثبته الشرع، ولا ننفي ما أثبته، ولا نتكلف الخوض فيما سكت عنه.
فالواجب على المسلم أن يقبل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يوقن أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، وإنما قد يقصر عن إدراك بعض حقائق الغيب وكيفياتها. ومن تمام الإيمان أن نصدق بما أخبر الله ورسوله، مع تفويض علم الكيفية إلى الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الشيخ باسم عيتاني
الأجوبة ذات الصلة
- ما هو حكم التعامل مع الشبهات المتعلقة بالدين والعمل على علاجها؟ — كيف يتعامل المسلم مع ما يعرض له من شبهةٍ في دينه، وسبيل علاجها بالعلم لا بالكتمان.
- ما حكم إنكار ركن من أركان الإيمان؟ — الفرق بين من يستشكل ويطلب الفهم ومن ينكر أصلًا من أصول الإيمان، وحكم كلٍّ منهما.
- ما هو مفهوم “الإعجاز الغيبي” في القرآن؟ — كيف يُعرف الغيب بالوحي وحده، وهو الأصل الذي بُني عليه هذا الجواب.