كيف نتعامل كأسرة مع أخٍ لنا وقع في الزنا؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

كيف نتعامل كأسرة مع أخٍ لنا وقع في الزنا: هل نهجره أم نبقى على صلة به مع نصحه وإنكار فعله؟ وكيف نتعامل مع الطفل الناتج عن هذه العلاقة المحرمة؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن كان الأمر كما ورد في السؤال، وكان قد حصل بين أخيك وهذه المرأة وطءٌ من غير عقد زواج شرعي صحيح، فقد وقعا في معصية الزنا، وهي من كبائر الذنوب وأشدِّها خطرًا. والواجب عليك أن تنصحه، وتخوِّفه بالله تعالى، وترغِّبه في التوبة، وتبذل وسعك في إعانته على الخروج من هذه المعصية.

وينبغي أن تكون نصيحتك له بالرفق والرحمة، وإظهار الخوف والشفقة عليه، بعيدًا عن التعيير والتشهير؛ فإن المقصود من النصيحة إصلاحه وهدايته، لا الانتقام منه أو فضحه، قال الله تعالى:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].

ويمكن بيان ما ينبغي فعله فيما يأتي:

أولًا: دلالته على طريق الخير

ينبغي أن تدلَّه على طريق الخير والاستقامة والتديّن الصحيح، وأن تبيّن له خطر المعاصي وآثارها السيئة في الدين والدنيا والأسرة والأولاد، مع تذكيره بسعة رحمة الله تعالى، وأن باب التوبة مفتوح مهما عظم الذنب، ما دام الإنسان حيًّا.

ثانيًا: الوقوف إلى جانبه وإعانته على الصحبة الصالحة

كن قريبًا منه، وأشعره بأن وقوفك معه إنما هو لإعانته على التوبة وتصحيح وضعه، لا لإقرار معصيته. وحاول أن تدلَّه على رفقة صالحة تعينه على الطاعة وتُغنيه عن رفقة السوء وأسباب الفتنة.

وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السيئ بنافخ الكير؛ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ  عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ ، وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً” أخرجه البخاري (481) ومسلم (1023)

ثالثًا: الدعاء له بظهر الغيب

أكثر من الدعاء له بظهر الغيب أن يهديه الله تعالى، ويوفقه إلى التوبة والخير والهدى، ويصرف عنه طرق الغواية والرَّدى؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والهداية بيد الله تعالى.

رابعًا: الستر عليه وعدم فضيحته

الأصل أن تستر عليه، وألّا تشيع معصيته بين الناس، وألّا تخبر والديك أو غيرهما لمجرد التشهير أو التعيير؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، » أخرجه مسلم (2699)

لكن الستر لا يعني ترك النصيحة والإنكار، ولا يعني كتمان الأمر مطلقًا في كل حال؛ فإذا احتيج إلى إخبار شخص من الأسرة له تأثير عليه، ويُرجى من إخباره الإصلاح ومنع استمرار المعصية، جاز إخباره بقدر الحاجة، مع المحافظة على السر وعدم توسيع دائرة العلم بالواقعة.

خامسًا: بيان خطر الزنا وعقوبته

بيِّن له أن الزنا فاحشة عظيمة وكبيرة من كبائر الذنوب، وأن الله تعالى لم ينهَ عن فعله فحسب، بل نهى عن الاقتراب من أسبابه ومقدماته، فقال سبحانه:﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].

وينبغي أن يكون بيان خطورة الذنب مقرونًا بفتح باب الرجاء؛ حتى لا يقنط من رحمة الله، ولا يظن أن ذنبه لا يغفر.

سادسًا: حثه على التوبة الصادقة

يجب عليه أن يبادر إلى التوبة النصوح، وذلك بالإقلاع عن المعصية فورًا، والندم على ما مضى، والعزم الصادق على عدم العودة إليها، مع قطع الأسباب والطرق المؤدية إليها، والإكثار من الطاعات والأعمال الصالحة.وقد ذكر الله تعالى الزنا ضمن الكبائر، ثم فتح باب التوبة، فقال سبحانه: ﴿وَلَا یَزۡنُونَۚ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰ⁠لِكَ یَلۡقَ أَثَامࣰا ۝٦٨ یُضَـٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ وَیَخۡلُدۡ فِیهِۦ مُهَانًا ۝٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَیِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَـٰتࣲۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ۝٧٠ ﴾ [الفرقان: 69-70].فمهما عظم الذنب، فإن التوبة الصادقة تمحوه بإذن الله، بل قد يبدل الله تعالى السيئات حسنات.

سابعًا: إعطاؤه حلًّا شرعيًّا عمليًّا

فلا يكفي تخويفه من الحرام، بل ينبغي إعانته على الوصول إلى حل شرعي عملي.فإن لم يرغب في الاستمرار مع هذه المرأة، وجب عليهما إنهاء العلاقة المحرمة وقطع أسبابها، مع المحافظة على حقوق الطفل وعدم الإضرار به.

وإن رغب كلٌّ منهما في الزواج، وكانت المرأة ممن يحل له نكاحها، ولم يوجد مانع شرعي من ذلك، فعليهما المبادرة أولًا إلى التوبة الصادقة، ثم إبرام عقد زواج شرعي مستوفٍ لأركانه وشروطه، مع توثيقه قانونًا حفظًا للحقوق.

موقف الأسرة منه

ينبغي للأسرة في التعامل مع هذه القضية أن تجمع بين ثلاثة أمور:

1. إنكار المنكر وعدم الرضا به.

2. المحافظة على صلة الرحم.

3. استبقاء باب النصيحة والهداية مفتوحًا.

ولا تُعدّ صلة الأخ الواقع في المعصية، والسؤال عنه، والإحسان إليه، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، إقرارًا لمعصيته، ما دام أفراد الأسرة لا يرضون بها، ولا يثنون عليها، ولا يعينونه على استمرارها.

فالواجب التفريق بين الإحسان إلى العاصي رجاء هدايته، وبين الإعانة على المعصية أو إظهار الرضا بها؛ فقد قال الله تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

فتبقى صلة الرحم والنصيحة والرفق مطلوبة، ولا سيما إذا كان قطع التواصل سيزيد الأخ بُعدًا وعنادًا، أو يغلق باب النصيحة والتأثير فيه.

حكم هجره

الهجر ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلة إصلاح ودواء يُستعمل حيث يغلب على الظن نفعه.

فإن علمت الأسرة، أو غلب على ظنها، أن هجره مدةً محدودة سيوقظه من غفلته، ويحمله على التوبة أو تصحيح وضعه، شُرع لها ذلك، مع بيان سبب الهجر له بهدوء، حتى يعلم أن الهجر بسبب المعصية لا بسبب الكراهية الشخصية أو الرغبة في الانتقام.

أما إذا غلب على الظن أن الهجر سيدفعه إلى الانقطاع التام عن أهله، أو إلى مزيد من العناد والتمادي، أو سيمنع وصول النصيحة إليه، أو يترتب عليه الإضرار بالطفل؛ فإن استمرار قدر من الصلة، مع إظهار إنكار المعصية وعدم الرضا بها، يكون أولى وأنفع.

وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: باب ما يجوز من الهجران لمن عصى، وأورد فيه حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم خمسين ليلة بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك.

وبيّن الإمام النووي في شرحه لحديث الثلاثة الذين خلفوا هذه الفائدة فقال  «الحادية عشر اسْتِحْبَابُ هِجْرَانِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَمُقَاطَعَتِهِمْ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَزَجْرًا»شرح النووي على مسلم (17/ 100)

وقال الحافظ ابن حجر في بيان الهجران الجائز(لِأَنَّ عُمُومَ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لِهَجْرِهِ سَبَبٌ مَشْرُوعٌ، فَتَبَيَّنَ هُنَا السَّبَبُ الْمُسَوِّغُ لِلْهَجْرِ، وَهُوَ لِمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ، فَيَسُوغُ لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا مِنْهُ هَجْرُهُ عَلَيْهَا لِيَكُفَّ عَنْهَا.) «فتح الباري» لابن حجر (10/ 497)

فالهجر يدور مع المصلحة الشرعية: يُفعل حيث ينفع، ويُترك حيث يزيد الفساد أو يمنع الإصلاح.

معاملة الطفل

أما الطفل فلا ذنب له مطلقًا، ولا يتحمل شيئًا من خطأ أبويه، ولا يجوز تعييره أو الانتقاص منه أو معاملته بجفاء بسبب الطريقة التي وُلد بها؛ فقد قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].

وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الطفل المولود من علاقة محرمة: « لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ » أخرجه الحاكم (2873) والبيهقي (20048) وأحمد (25423)

فينبغي للأسرة أن تحيط الطفل بالرحمة والرعاية، وأن تعينه على التربية الصالحة والتعليم، وألّا تجعله وسيلةً لمعاقبة أبويه أو الضغط عليهما. بل قد يكون الإحسان إليه ورعايته سببًا لبقاء باب الهداية مفتوحًا أمام أبويه.

والله تعالى أعلم.

محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

 والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.