ما حكم التجارة دون تسجيل رسمي لعجز أصحابها عن تكاليف التسجيل؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

الشركات غير المعلنة: زوجان يتاجران بالعطور بين فرنسا وجزر القمر، والقانون يُلزم بتسجيل النشاط ولا يملكان كلفة التسجيل حاليًا؛ ما الحكم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

أولًا: الأصل في التجارة

فالأصل في الشريعة الإسلامية أن التجارة مباحة، لقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَیۡعَ ﴾ [البقرة ٢٧٥] وقوله تعالى:  ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَ ٰ⁠لَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَـٰطِلِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاض مِّنكُمۡ﴾ [النساء ٢٩]

فلا يشترط لصحة البيع والشراء في ذاته وجود تسجيل قانوني أو سجل تجاري، وإنما يشترط استيفاء أركان العقد وشروطه الشرعية، كالتراضي، وانتفاء الربا والغرر والغش، وكون المبيع مباحًا ومملوكًا للبائع إلى آخر الشروط المعتبرة.

لكن إذا كانت الدولة قد أوجبت نظام التسجيل التجاري أو الترخيص لمزاولة النشاط، فإن الحكم يختلف بحسب سبب الإلزام وطبيعته

ثانيًا: حكم الالتزام بالأنظمة التجارية

1. إذا كان التسجيل نظامًا تنظيميًا مشروعًا يهدف إلى حفظ الحقوق، ومنع الغش، وتنظيم السوق، وحماية المتعاملين، ولا يشتمل على محرم في نفسه، فإن الأصل وجوب الالتزام به؛ لأن طاعة ولي الأمر في الأنظمة التي تحقق المصلحة العامة ولا تخالف الشرع واجبة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وعليه فالعقد صحيح من حيث آثاره الشرعية إذا استوفى أركانه وشروطه، إلا أن مباشرته على وجه يخالف الأنظمة الملزمة قد يأثم به المكلف، إذا كانت تلك الأنظمة مشروعة

و بالتالي فإن مخالفة هذا النظام تكون محرمة إذا كان النظام مشروعًا ملزمًا، ولم تقتضِ المخالفة ضرورة أو عذر معتبر

ثالثًا: إذا اشتمل النظام على محرّم

2. أما إذا كان القانون يفرض إجراءات أو شروطًا تشتمل على محرم شرعًا، أو يوقع ظلمًا بيّنًا، فلكل حالة حكمها، ولا يجوز إقرار المحرم، لكن مجرد وجود التسجيل الإداري أو الترخيص في ذاته ليس من هذا الباب غالبًا

رابعًا: العجز عن تكاليف التسجيل

ولا يختلف الحكم الشرعي للبيع عند العجز الحالي عن كلفة التسجيل، ونية التصحيح متى أمكن لأن هذا لا علاقة له بصحة البيع من عدمها إنما يؤثر على الإثم بمخالفة القانون أو عدم الإثم ، ولهذا يجب المبادرة إلى استكمال إجراءات التسجيل متى تمكن من ذلك، خروجًا من المخالفة، ووفاءً بما التزمه من الأنظمة المشروعة

خامسًا: الوفاء بالأنظمة والعهود

جاء في فتاوى دائرة الإفتاء العام الأردنية :على المسلم الذي دخل بلاد غير المسلمين أن يحترم القوانين والأنظمة التي طلبوا منه الالتزام بها حين منحوه إذن الدخول، والتي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية؛ فالمسلم يحفظ العهد، ويصدق في الوعد، ويؤدي الأمانة كما أمره الله عز وجل بقوله: ﴿ وَأَوۡفُوا۟ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔوا﴾ [الإسراء ٣٤]

وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحفظ العهد حتى لمن خانه، ولا يقابله بالخيانة، وذلك في شأن الحرب والسلم الذي هو أخطر الأمور، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِیَانَ فَٱنۢبِذۡ إِلَیۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَاۤءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡخَاۤىِٕنِینَ﴾ [الأنفال ٥٨]

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رواه أبو داود (3534).

فمن خالف تلك الأنظمة فقد أساء، غير أن ذلك لا يعني حرمة الكسب الذي يكتسبه من العمل المباح، فالكسب حلال ما دام العمل مباحا؛ ومخالفة الأنظمة إساءة من جانب آخر، لا يؤثر في حكم الأجرة التي يتقاضاها مقابل عمله المباح. والله أعلم

الخلاصة

فالخلاصة أن الأصل في البيع والتجارة الإباحة، ولا يتوقف انعقاد عقد البيع وصحته على وجود السجل التجاري أو الترخيص الإداري إذا استوفى العقد أركانه وشروطه الشرعية

غير أن الأنظمة التي تضعها الدولة لتنظيم التجارة وحفظ الحقوق ومنع الغش، إذا كانت لا تخالف الشريعة، وجب الالتزام بها؛ لأن ذلك داخل في طاعة ولي الأمر في المعروف، والوفاء بالعهد، وتحقيق المصالح العامة.

ومن باشر التجارة دون استكمال الإجراءات النظامية، فإن صحة معاملاته الشرعية لا تتأثر بذلك، إلا أنه يأثم بمخالفة النظام المشروع إذا كان قادرًا على الالتزام به ولم يكن له عذر معتبر، ويجب عليه المبادرة إلى تصحيح وضعه متى تمكن من ذلك.

أما إذا تضمنت الأنظمة ما يخالف الشرع، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع وجوب سلوك الوسائل المشروعة في دفع المخالفة دون غش أو خيانة أو نقض للعهد.

وهذا هو الذي عليه أكثر المجامع الفقهية، ودور الإفتاء، وكثير من العلماء المعاصرين ، وهو الموافق لمقاصد الشريعة في الوفاء بالعهود، وحفظ الحقوق، وإظهار أخلاق الإسلام

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد