هل أترك الإمامة والتعليم بسبب ذنوبي؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

هل يجوز لمن ابتُلي بذنوب خفيّة ويخشى الرياء والنفاق أن يستمرّ في الإمامة والتعليم، أم يعتزل حتى يُصلح نفسه؟

الجواب

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله

فإن إمامة الصلاة في الإسلام لها شأنٌ عظيمٌ ومنزلةٌ رفيعة؛ إذ بها تُقام جماعة المسلمين، فتفضل صلاتهم وترتفع درجاتها على صلاتهم منفردين؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». متفق عليه.

ولِعِظَيم شأن الإمامة اشترط الشرع لها تقديم أفضل مَن يحضر الصلاة من المسلمين: قراءةً لكتاب الله، وعلمًا بالسنة، وكبرًا في السن، ونحو ذلك من صفات الفضل والكمال، كما نص على ذلك فقهاء المذاهب الأربعة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إمام المسلمين في صلاتهم إذا حضرها، وتبعه على ذلك أفاضل الأمة علمًا وعملًا من الصحابة والتابعين، ومَن تبعهم من أهل القرون المفضَّلة المُثْلى. وهذا ما عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا في تقديم مَن يؤمهم في صلاتهم، وإلى يوم الناس هذا.

فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً؛ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً؛ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً؛ فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -أي: إسلامًا-، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ». أخرجه مسلم (673)

وقال الطبري:«لما استخلف النبي صلى الله عليه وسلم الصديق رضي الله عنه على الصلاة، بعد إعلامه لأمته أن أحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، صح أنه يوم قدَّمه للصلاة كان أقرأ أمته لكتاب الله، وأعلمهم وأفضلهم».«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (2/299).

وإنما قدَّم الشرع لإمامة المصلين أفضلهم وأعلمهم؛ رعايةً لأحكام الصلاة وشروطها؛ إذ الإمام ضامنٌ لصلاتهم، فإن أصاب فله ولهم، وإن أخطأ فعليه ولا عليهم. ولذلك استحق الأئمة دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالرشد؛ لعِظَم ما أقامهم الله فيه من أمر الصلاة.

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:«وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ أَمْرِ الإِمَامَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْكَمَالِ، وَمَنِ اسْتَجْمَعَ خِصَالَ الْعِلْمِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَرَعِ وَكِبَرِ السِّنِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ كَانَ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ. وَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الأَعْلَمِ وَالأَقْرَأِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْوَرَعِ وَالسِّنِّ وَسَائِرِ الأَوْصَافِ».

«مراقي الفلاح» ص163، و«فتح القدير» (1/301-304)، و«نهاية المحتاج» (2/175-179)، و«جواهر الإكليل» (1/83)، و«كشاف القناع» (1/473)، و«بدائع الصنائع» (1/157)، و«المغني» لابن قدامة (2/206).

فضل تعليم القرآن الكريم

أما تدريس القرآن الكريم فهو فضيلة عظيمة ونعمة كبيرة؛ فقد حث الشرع الشريف على تعلم القرآن وتعليمه، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعلِّم القرآن ومعلِّمه خيرَ الأمة.فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (5027)

الخوف من الذنب علامة إيمان

وأما خوفك من ذنوب تقع فيها، فإن الخوف من الله سبحانه وتعالى علامة على صدق الإيمان، وأمارة على الإحسان، كما قال سبحانه:﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

والمؤمن الحق لا ينسى ذنبه، ويشفق من مؤاخذة الله تعالى له؛ فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال:« إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ ، قَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ  ». أخرجه البخاري (6308) ومسلم (2744 والترمذي (2497)

الخوف من الرياء وحدوده

ولكن ينبغي أن يكون الخوف في حدوده الشرعية، مع أشد الحذر من خروجه عن حده، فينقلب إلى صورة من صور اليأس والقنوط؛ فإن هذا باب من أبواب الشيطان ليفسد على الشخص حاله، وليقعده عن طاعة ربه.

فلا تعتزل العمل الصالح بسبب الخوف من الرياء؛ لأن مجرد الخوف من الرياء ليس رياءً، بل قد يكون دليلًا على حياة القلب وحرصه على الإخلاص. وترك الإمامة أو تعليم القرآن أو سائر الطاعات لمجرد الوسوسة قد يكون مدخلًا للشيطان ليحرمك من الخير.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما».

وسائل تحقيق الإخلاص ومجاهدة النفس

والحل يكون بما يأتي:

1. صحِّح نيتك قبل العمل، وقل في نفسك: أؤدي هذا العمل طاعةً لله ونفعًا لعباده، لا طلبًا لمدح الناس.

2. امضِ في العمل ولا تفتش عن نيتك أثناءه تفتيشًا متكررًا؛ لأن كثرة مراقبة النية قد تتحول إلى وسواس يفسد عليك العبادة.

3. إذا طرأ عليك حب المدح أو ملاحظة الناس أثناء العمل، فادفعه وجدِّد نيتك وأكمل؛ فالخاطر العارض لا يضر ما دمت تكرهه ولا تسترسل معه.

4. اجعل لك أعمالًا خفية لا يعلم بها أحد، كصدقة السر، وقيام الليل، والاستغفار؛ فإن أعمال السر تقوي الإخلاص.

5. لا تترك العمل خوفًا من كلام الناس؛ فلا تعمل لأجل مدحهم، ولا تترك العمل لأجل ذمهم.

6. أكثر من الدعاء:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ».

وهناك فرق مهم بين ثلاث حالات:

1. أن تعمل ليراك الناس ويمدحوك: فهذا هو الرياء الذي تجب مجاهدته والتوبة منه.

2. أن تعمل لله ثم يعجب الناس بعملك فتفرح بفضل الله دون أن يكون ذلك باعثك على العمل: فهذا لا يضر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» رواه مسلم.

3. أن تخاف دائمًا أن تكون مرائيًا مع أن أصل قصدك لله: فهذا غالبًا خوف محمود، فإن اشتد وأقعدك عن الطاعة صار وسوسةً ينبغي الإعراض عنها.

لا تجعل الذنب سببًا لترك الطاعة

فالخلاصة: لا تترك الإمامة ولا تعليم القرآن ولا غيرهما من الأعمال النافعة، ولكن استمر فيها مع تجديد النية، ومجاهدة حب المدح، والإكثار من أعمال السر. وإذا وجدت تقصيرًا أو ذنبًا في حياتك، فعالجه بالتوبة، ولا تجعل الذنب سببًا لهجر الطاعة؛ فإن الحسنات من أعظم أسباب محو السيئات.

فالشيطان يأتي إلى العبد التائب، فيذكِّره بذنوبه، ويسرد عليه غدراته وفجراته، حتى ييأس من رحمة أرحم الراحمين.

التحذير من اليأس والقنوط

واليأس من رحمة الله صفة الكافرين، والعياذ بالله؛ فقد قال سبحانه:﴿وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].

وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: 23].

إذا أحس المرء شيئًا من ذلك في نفسه، فليبادر إلى الالتجاء إلى الله سبحانه، والاستعاذة به من الشيطان ومن نزغه وهمزه ونفخه ونفثه، وليتذكر سعة رحمة الله سبحانه، وأنه سبحانه هو الغفور الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.

والله أعلم

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن

: من مشايخه الذين قرأ عليهم

 والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد