لماذا لا تُشبعُكَ الدنيا؟ في حكمةِ الابتلاءاتِ وخَيباتِ هذه الحياةِ الدنيا
يجيب عن السؤال الشيخ فراز الرباني
السؤال
لماذا لا تُلبّي الدنيا حاجاتي وتوقّعاتي؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
إنّ هذا الحنينَ الذي تجدُه في قلبك حقٌّ، وهو يُخبرك بحقٍّ. فالدنيا لا تُشبعُك لأنّ الله تعالى ما خلقَها لِتُشبعَك، وإنّما خلقَها لِيبتليَك بها. وهذا هو الجوابُ الذي تطمئنُّ به القلوبُ.
الدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ وصول
قال الله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [الملك: 2]. وقد قرَّر المفسّرون أنّ في قوله تعالى «لِيَبْلُوَكُمْ» حكمةً ناظمةً للخلقِ كلِّه؛ فالدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ وصول.
ولذلك كان مما أُمِرنا أن نقولَه في كلِّ ركعةٍ: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» [الفاتحة: 6]. فالدنيا نفسُها هي الطريقُ، والطريقُ ماضٍ في الابتلاء لا محيدَ عنه؛ وإنّما يُسألُ التوفيقُ للسلوكِ فيه على وجهٍ يُرضي الله تعالى، لا أن يُبدَّلَ بطريقٍ آخر.
في كلِّ شدّةٍ عطاءٌ مكنونٌ
وقد علّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنّ الشدائدَ التي تنزلُ بالمؤمن إنّما هي في باطنِها مواطنُ جزاءٍ ومحوٍ للذنوب؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفّر اللهُ بها من خطاياه» [صحيح البخاري؛ صحيح مسلم].
وقد دقّق شُرّاحُ الحديث في سَعةِ ما تحملُه هذه الألفاظ: فالنَّصَبُ هو التعبُ المعهود، والوَصَبُ هو السَّقَمُ الذي يطولُ، والأذى يجمعُ كلَّ ما يجرحُ النفسَ من ظاهرٍ وباطن. وحتى لو لم يبلغِ المؤمنُ في بلائه أعلى مقامِ الرضا، فإنّ الصبرَ وحدَه كافٍ في تحصيلِ تكفيرِ السيّئات [الملا علي القاري، مرقاة المفاتيح].
وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «ما يَزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه وولدِه ومالِه، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئةٌ» [سنن الترمذي]. وقد قرأ العلماءُ هذا الحديثَ قراءةً تكشفُ عن رحمةٍ خفيّةٍ؛ فما يبدو في ظاهرِه مِحنةً هو في باطنِه مِنحةٌ صاغَها الرحمنُ سبحانه لِتطهيرِ المؤمنِ قبل أن يلقى ربَّه [ابن علّان، دليل الفالحين].
رؤيةُ الدنيا على حقيقتِها
وقد نصّ الإمامُ ابنُ عطاء الله السكندريُّ قدّس الله سرّه على هذا المعنى في حِكَمِه فقال: «لا تَستغرِبَنَّ وُقوعَ الأكدارِ ما دُمتَ في هذه الدار». وبيّن الإمامُ ابنُ عجيبة رحمه الله تعالى في شرحه أنّ هذه الدارَ دارُ أكدارٍ وقَبضٍ بطبعِها، وأنّ الصفاءَ التامَّ الذي تنشُدُه النفسُ إنّما هو من أوصافِ الدارِ الآخرة؛ فطلبُ ذلك الصفاءِ هنا طلبٌ للماءِ في غيرِ معدنِه [ابن عجيبة، إيقاظ الهمم، **:**].
ويلتقي مع هذا المعنى الشيخُ نوح كلر حفظه الله في كتابه «بحرٌ بلا ساحل»؛ فإنّ مَهمّةَ المؤمنِ ليست أن يستخرجَ من الدنيا ما لم تُخلَقْ لِتُعطيَه، بل أن يعبرَ بها إلى الذي أنشأها. وما تجدُه من خيبةٍ في توقّعاتِك ليس خَلَلًا في الأمر، بل هو وفاءُ الدنيا بوعدِها.
والعِبرةُ في كيفِ تَسلكُها
وأخيرًا، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهُم، فمن رَضِيَ فله الرضا، ومن سَخِطَ فله السَّخَط» [سنن الترمذي، **:**].
فإذا قَصُرت بك الدنيا فاسمعها وهي تُخبرك بحقيقتِها. اخفِض سقفَ توقّعِك من الدنيا، وارفع سقفَ رجائِك في الله سبحانه، واسأله الصراطَ المستقيمَ في كلِّ صلاةٍ وأخلِص في السؤال؛ فإنّ القلبَ إنّما خُلِقَ له، ولن يقرَّ حتى يصلَ إليه.
ونختمُ بكلامِ العارفِ الشيخِ أحمدَ العلويِّ المُستغانميِّ قدّس الله سرّه، حيثُ قال:
فلا تَرضَ بغَيرِ اللهِ حُبًّا … كلُّ شيءٍ ما دونَهُ سَرابُ
أهلُ الذكرِ في محبوبِهم غابُوا … فلا عَيشَ إلّا لذوي القُربى
والله تعالى أعلم.
الشيخ فراز الرباني
الأجوبة ذات الصلة
كيف نتحقق بصفة الرضا عن قضاء الله وقدره؟ — إرشاداتٌ عملية حول تطوير الرضا والقبول بقضاء الله في قلب المؤمن.
ما هو دور الصبر في تحقيق النجاح في الدنيا والآخرة؟ — شرحٌ لكيفية جعل الصبر في البلاء سبيلًا للتوفيق والفلاح.
من دروس الهجرة | الصبر على البلاء | الشيخ أحمد الأحمد — دروسٌ تاريخية عن كيفية الصبر على الشدائد من حياة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأوائل.
هل يجوز لنا أن نتمنى الموت إذا اشتد البلاء علينا؟ — توضيحٌ لحكم الرغبة في الموت عند اشتداد الابتلاء والطريقة الشرعية للتعامل معه.
مقتطفات | إنما الدنيا لأربعة نفر | د. يوسف خطّار — فهمٌ متعمق لحقيقة الدنيا وأنواع الناس في تعاملهم معها.