كيف أستخدم وسائل التواصل دون أن تضرّ بديني ووقتي؟
يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض
السؤال
«أقضي ساعاتٍ يوميًّا على وسائل التواصل، أقارن حياتي بحياة الناس فأشعر بالنقص والحسد، ويضيع وقتي عن الصلاة والقراءة والنوم. أريد أن أتحرّر لكنّي أعجز. كيف أنظر إلى هذا شرعًا، وما الخطوات العمليّة لحفظ قلبي ووقتي؟»
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي نعمةٌ من نعم الله تعالى؛ فقد سهَّلت التواصل بين الأفراد، وقرَّبت بين المتباعدين، ويسَّرت التجارات والمعاملات وسبل تحصيل المعلومات، وتجاوزت العقبات والحواجز والحدود الجغرافية، وفتحت أبوابًا من النفع والدعوة والخير لا يحصيها إلا الله.
ومثل هذه النعم حقُّها أن تُشكر ولا تُكفر، وشكرها يكون باستعمالها في الخير والنفع.
ولأنها جمعت بين طيَّاتها الخير والشر، والطيب والخبيث، والصالح والطالح، والنافع والضار؛ فلا بد من التحذير والتنبيه، والاحتراز الشديد عند استخدامها؛ حتى لا تنزلق الأقدام، ويأتي الشر من وراء الخير، وحتى لا تتحول النعمة إلى نقمة، والمنحة إلى محنة.
أولًا: المحافظة على الوقت
لقد اشتملت وسائل التواصل على كثير من أسباب التشويق والتنوع والإثارة والمتعة والإبهار في العرض، وعلى وسائل جذب تجعل المتابع يجلس أمامها الساعات الطوال بلا ملل؛ فهي بحقٍّ حارقة الأوقات، وسارقة الأعمار. وإذا لم ينتبه الإنسان لنفسه أضاع فيها عمره، أو أكثر عمره.
أمور تساعد على حفظ الوقت
ينبغي لمستخدم هذه الوسائل أن يضع نصب عينيه أمورًا يحفظ بها وقته وعمره، ومنها:
1. معرفة قيمة الوقت : فالوقت هو رأس مال العبد الذي يتاجر به مع الله، ويطلب به سعادة الدنيا والآخرة، وبقدر ما يفوت من هذا الوقت في غير طاعة أو قربة يفوت العبدَ من سعادة الآخرة.
2. استشعار المسؤولية عن الوقت: عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ». [رواه الترمذي (2417)، والدارمي (554)، وأبو يعلى (7434)]
وعن عمرو بن ميمون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه:«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».رواه النسائي في «السنن الكبرى» (11832)، وابن أبي شيبة (35460).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:«لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهَا». [الطبراني (182)]
وسائل عملية لحماية الوقت
لا بد لحماية الوقت من مراعاة ما يأتي:
1. تحديد الهدف المراد؛ فمن دخل إلى وسائل التواصل من غير هدف ضاع عمره، وذهب وقته، وسُرقت ساعاته دون نفع أو مصلحة دنيوية أو أخروية.
2. تحديد وقت معين للتصفح وإنجاز المراد.
3. حصر المصادر والوسائل التي تخدم الهدف؛ حتى لا يتشعَّب البحث ويتشتت المستخدم.
4. وضع وسيلة للتذكير بالوقت بين الحين والآخر.
وليتذكر دائمًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». [رواه البخاري (6412)]
ثانيًا: الحسد والاضطراب النفسي
من الآثار الضارة لوسائل التواصل الاجتماعي: إثارة الحسد والاضطراب النفسي.
والحسد الناشئ عن وسائل التواصل له صورتان:
أن يحسد الإنسان غيره بسبب ما يشاهده من النعم.
أن يخشى الإنسان أن يُصاب بالحسد والعين بسبب ما ينشره من تفاصيل حياته ونعمه.
وعلاج هاتين الصورتين يكون شرعيًّا وتربويًّا وعمليًّا.
علاج مَن يجد الحسد في قلبه:
- تذكُّر أن النعم قسمة الله تعالى قال الله تعالى: ﴿أَهُمۡ یَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢]
- الدعاء لصاحب النعمة بالبركة كأن يقول: «اللهم بارك له، وزده من فضلك»؛ فإن ذلك يقطع مادة الحسد.
- عدم الاسترسال في المقارنات لأن وسائل التواصل تعرض غالبًا أجمل اللحظات، ولا تعرض حقيقة حياة الإنسان وما فيها من متاعب وهموم.
- الابتعاد عما يثير الحسد وذلك بإلغاء متابعة الحسابات التي تثير الحسد أو تضيِّق الصدر، أو كتمها مدة من الزمن.
- استحضار نعم الله على الإنسان ويمكن أن يكتب الإنسان نعم الله عليه يوميًّا؛ قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل ١٨]
- الإكثار من الذكر والاستغفار مع الدعاء بصلاح القلب، ومن الدعاء المناسب: «اللهم طهِّر قلبي من الحسد والغل، وارزقني الرضا بما قسمت لي».
الوقاية لمن ينشر تفاصيل حياته
1. عدم عرض جميع النعم والتفاصيل الخاصة قال يعقوب عليه السلام ليوسف عليه السلام: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف ٥]
2. الاقتصاد في نشر النعم وخاصة ما يتعلق بالأموال والمقتنيات والأسفار والأبناء والنجاحات، ولا سيما أمام جمهور مجهول.
3. ضبط خصوصية الحساب وحصر مشاهدة التفاصيل الخاصة في الأشخاص الموثوقين.
4. المداومة على الأذكار وذلك بالمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وقراءة المعوِّذات وآية الكرسي.
5. الدعاء بالبركة عند رؤية ما يُعجب فينبغي أن يعلِّم الإنسان نفسه وأهله أن يقولوا عند رؤية ما يعجبهم:«ما شاء الله، اللهم بارك».
و ختاما لا تنشر كل نعمة، ولا تصدِّق كل صورة، ولا تقارن باطن حياتك بظاهر حياة الآخرين.
فوسائل التواصل لا تُنشئ الحسد من العدم غالبًا، لكنها تغذِّيه بكثرة المقارنات واستعراض النعم؛ ولذلك فإن أقوى علاج لهذه الآفة هو: الرضا بقسمة الله، والدعاء للآخرين بالبركة، وتقليل المشاهدة والنشر، وحفظ القلب بالذكر.
والله أعلم.
الشيخ الدكتور محمد فايز عوض
هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض من مواليد دمشق – سوريا 1965
درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها
خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985
حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور في باكستان.
له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.
درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،
مدرس في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية
مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول
عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..
من مشايخه الذين قرأ عليهم:
والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و