هل تجوز الصلاة خلف من استهزأ بشيء من الدين؟
Hanafi Fiqh
يجيب عن السؤال الشيخ فراز الرباني
السؤال
أبي قبل سنتين استهزأ هو وأمي باللحية، وكانوا يستهزئون بالعلماء ويقولون إنهم متشددون، واستهزؤوا بلحيتهم، واستهزؤوا بالرأي الذي ينص على تحريم الموسيقى. فهل يجوز لي الصلاة خلف أبي؟
وكلٌّ من أمي وأبي تقرَّبا أكثر إلى الله منذ ذلك الحين، ولكني لست أدري هل تابا من الاستهزاء بالعلماء واللحية أم لا. والظاهر أن قلبيهما قد انشرحا أكثر للدين عامةً، ولكن بخصوص هذه المسألة لا أدري أتابا أم لا.
وهل صلواتي التي صليتها مع أبي قبل أن يتقرب أكثر إلى الله صحيحة، أم يجب عليَّ إعادتها؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
اطمئنْ أولًا، ثم اقرأ التفصيل
صلاتُك خلف أبيك صحيحة، وصلواتُك الماضية كلُّها صحيحة، ولا إعادة عليك في شيء منها. والذي وصفتَه عن والديك ليس استهزاءً بالدين، وليس كفرًا، ولا يجوز لك أن تُنزِله هذه المنزلة
وأسأل الله أن يبارك فيك؛ فإن غيرتك على دينك مع حرصك على برِّ والديك خيرٌ كثير، والجمع بينهما هو عين التوفيق
أولًا: الفرق بين الاستهزاء بالدين وبين الكلام في مسألةٍ اجتهادية
الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسوله صلى الله عليه وسلم أمرٌ عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥–٦٦]
ولكنَّ مناط الحكم هو قصدُ الاستخفاف بالدين نفسه، لا مجردُ الكلام في مسألةٍ خلافية، ولا التعليقُ على هيئةٍ أو مظهر. قال الإمام ابن نجيم رحمه الله تعالى: «ولو صغَّر الفقيهَ أو العلويَّ قاصدًا الاستخفافَ بالدين كفر، لا إن لم يقصده». [ابن نجيم، البحر الرائق]
فالمدار على القصد، لا على ظاهر اللفظ وحده
:وإذا نظرتَ فيما ذكرتَه وجدتَه ثلاثة أمور، وليس واحدٌ منها استهزاءً بالدين
.أما وصفُ بعض العلماء بالتشدد، فهو كلامٌ في اجتهاد عالمٍ أو في طريقته، لا في الشرع. وقد اختلف أهل العلم في مسائل لا تُحصى، وردَّ بعضُهم على بعض، ولم يُعدَّ ذلك طعنًا في الدين
.وأما مسألة الموسيقى، فالخلاف فيها معتبرٌ بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، والقول بالتحريم هو المعتمد عند جماهير الفقهاء، لكن من تكلم في هذا القول أو مال إلى غيره فقد تكلم في مسألةٍ سائغة الخلاف، ولا يُكفَّر ولا يُفسَّق بذلك
.وأما اللحية، فحكمها عند أهل العلم دائرٌ بين الوجوب وتأكُّد السنية، والتعليقُ على لحية رجلٍ بعينه إنما هو كلامٌ في شخص، لا في شريعة
ثانيًا: لا يُكفَّر مسلمٌ بالاحتمال
هذا أصلٌ محكمٌ عند فقهائنا، وهو من أعظم ما ينبغي أن يستقر في قلبك
قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: «لا يخرج الرجلَ من الإيمان إلا جحودُ ما أدخله فيه، ثم ما تيقَّن أنه ردةٌ يُحكم بها، وما يُشكُّ أنه ردةٌ لا يُحكم بها؛ إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو. وينبغي للعالم إذا رُفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام». [ابن عابدين، رد المحتار]
وقال أيضًا: «إذا كان في المسألة وجوهٌ توجب التكفير ووجهٌ واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينًا للظن بالمسلم… وفي التتارخانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهايةٌ في العقوبة فيستدعي نهايةً في الجناية، ومع الاحتمال لا نهاية». [ابن عابدين، رد المحتار]
وقال: «والذي تحرر أنه لا يُفتى بكفر مسلمٍ أمكن حملُ كلامه على محملٍ حسن، أو كان في كفره اختلافٌ ولو روايةً ضعيفة». [ابن عابدين، رد المحتار]
فإذا كان هذا الاحتياطُ مطلوبًا في حق آحاد المسلمين، فكيف بالوالد الذي أمرك الله ببرِّه؟
وقال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]
ثالثًا: صلاتك خلفه صحيحة، وما مضى صحيحٌ ولا إعادة عليك
والدُك لم يثبت في حقه فسقٌ أصلًا، فضلًا عما هو فوقه؛ فالصلاة خلفه صحيحةٌ من غير كراهة
بل لو فرضنا جدلًا ثبوتَ الفسق في حق إمامٍ من الأئمة، فإن الصلاة خلفه صحيحةٌ ويُنال بها فضلُ الجماعة. قال العلامة الحصكفي رحمه الله تعالى ناقلًا: «صلى خلف فاسقٍ أو مبتدعٍ نال فضل الجماعة». [الحصكفي، الدر المختار] وإنما كُرِه تقديمُه لعلةٍ بيَّنها ابن عابدين رحمه الله تعالى بقوله: «وأما الفاسق فقد عللوا كراهة تقديمه بأنه لا يهتم لأمر دينه، وبأن في تقديمه للإمامة تعظيمه». [ابن عابدين، رد المحتار]
فإذا كان هذا في المتحقِّق فسقُه، فكيف بمن لم يثبت في حقه شيء أصلًا؟
فصلواتك كلُّها، الماضية والآتية، صحيحةٌ مجزئة، ولا إعادة عليك، ولا شيء عليك. فأرِح قلبك من هذا
رابعًا: افرح بما تراه، ولا تفتِّش عن القلوب
ذكرتَ أن والديك قد تقرَّبا إلى الله أكثر، وأن الظاهر انشراحُ قلبيهما للدين. فهذه بشارةٌ ونعمةٌ عظيمة، فاحمد الله عليها، ولا تُفسدها على نفسك بالبحث والتفتيش
ونحن مأمورون بالحكم على الظاهر، وأمرُ السرائر إلى الله وحده. ولستَ مكلَّفًا أن تسأل والديك: هل تُبتما من كذا؟ بل هذا السؤال نفسه قد يفتح بابًا من الجفاء لا يُحمد
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فبرَّهما، وادعُ لهما بظهر الغيب، واجعل حرصك على دينك سببًا في تقريبهما لا في تنفيرهما. ورؤيتُهما فيك حسنَ الخلق وبرَّ الوالد أدعى إلى الخير من كل مناقشة
صلِّ خلف أبيك مطمئنَّ القلب
١. ما وصفتَه ليس استهزاءً بالدين ولا كفرًا، وإنما هو كلامٌ في مسائل اجتهادية وفي أشخاص
٢. لا يُكفَّر مسلمٌ بالاحتمال، والاحتياطُ في ذلك واجب، ولا سيما في حق الوالد
٣. صلاتك خلف أبيك صحيحة، وصلواتك الماضية صحيحة، ولا إعادة عليك
٤. لا تفتِّش عن توبتهما ولا عن قلبيهما، وافرح بإقبالهما على الله، وبرَّهما وادعُ لهما
نسأل الله أن يثبِّتك وإياهما على الهدى، وأن يجمعكم على طاعته في الدنيا والآخرة
والله أعلم
أجوبة ذات صلة
Must I Repeat Prayers Behind an Imam With a Short Beard or Bare Head? — https://seekersguidance.org/answers/hanafi-fiqh/praying-behind-imam-short-beard/ — Laypeople need not repeat such prayers, and labelling imams as evildoers over valid differences is unacceptable.
Has My Father’s Joke Made Him a Disbeliever? — https://seekersguidance.org/answers/hanafi-fiqh/fathers-joke-made-disbeliever/ — The father remains Muslim; the inviolability of a believer is immense and takfir is not for laypeople.
Did I Commit Wrongful Takfir? — https://seekersguidance.org/answers/islamic-belief/did-i-commit-wrongful-takfir/ — One leaves Islam only by rejecting what brought one into it; guard the tongue regardless.
How Can We Raise Our Child with Islam While My Father Is Mocking It? — https://seekersguidance.org/answers/children/how-can-we-raise-our-child-with-islam-while-my-father-is-mocking-it/ — Build firm habits at home, respond to mockery politely, and stay patient with the parent.
الشيخ فراز الرباني
«النصوص»
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾
[التوبة: ٦٥]
﴿لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]
﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]
وَلَوْ صَغَّرَ الْفَقِيهَ أَوِ الْعَلَوِيَّ قَاصِدًا الِاسْتِخْفَافَ بِالدِّينِ كَفَرَ، لَا إِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ. [ابن نجيم، البحر الرائق]
لَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا جُحُودُ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ رِدَّةٌ يُحْكَمُ بِهَا، وَمَا يُشَكُّ أَنَّهُ رِدَّةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا؛ إِذِ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو. وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. [ابن عابدين، رد المحتار]
إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهٌ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ… وَفِي التَّتَارْخَانِيَّةِ: لَا يَكْفُرُ بِالْمُحْتَمَلِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا نِهَايَةَ. [ابن عابدين، رد المحتار]
وَالَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً. [ابن عابدين، رد المحتار]
صَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ نَالَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ. [الحصكفي، الدر المختار]
وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَقَدْ عَلَّلُوا كَرَاهَةَ تَقْدِيمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ، وَبِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ تَعْظِيمَهُ. [ابن عابدين، رد المحتار]