هل يجوز الدراسة في كليةٍ تبشيريةٍ مع ستر شعار الصليب؟


Hanafi Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ الدكتور باسم عيتاني

السؤال

شعار الكلّية التبشيرية النصرانية فيه صليبٌ (على الزيّ والبطاقة)، ويُخاطَب قسّيسوها بـ«الأب». فهل لي أن أستر الصليب وأن أدرس فيها؟ لا سيّما بمقارنتها بكلّيتي الحالية التي تُلزم بحلق اللحية وحضور برامج موسيقية.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نسأل الله تعالى أن يوفقك إلى العلم النافع، وأن يختار لك ما يحفظ عليك دينك وخلقك ومستقبلك.

الأصل أن يختار المسلم البيئة التعليمية التي تعينه على الثبات على دينه، وأبعدها عن الفتن والمخالفات الشرعية. وليس مجرد كون الكلية تابعةً لمؤسسة نصرانية سببًا لتحريم الدراسة فيها، وإنما العبرة بما تُلزم به طلابها.

فإن كانت تُلزمك بالمشاركة في شعائرهم الدينية، كحضور الصلوات والقداديس، أو دراسة عقائدهم على وجه التلقين والإقرار، أو بارتكاب محرم لا يمكنك اجتنابه، فلا يجوز لك الالتحاق بها.

أما إذا كانت الدراسة مقصورة على العلوم النافعة، ولم تُلزمك بشيء من ذلك، واستطعت المحافظة على دينك، فلا تحرم الدراسة فيها لمجرد تبعيتها لمؤسسة نصرانية.

حكم ستر شعار الصليب

والصليب شعار ديني خاص بالنصرانية، فلا يجوز للمسلم إظهاره، والمحذور يزول بطمس صورة الصليب أو سترها حتى لا تبقى ظاهرة. ففي البحر الرائق:

«لا تجوز الصلاة فيه (أي: الصليب)؟ قال: لا، إلا إذا قطع الرأس العلوي أو لطخه بالمداد حتى لا يبدو صليبًا».(1)

فإذا استطعت ستر الصليب أو طمسه سترًا تامًا، كلاصق ثابت أو خياطة أو نحو ذلك مما يزيل معالمه، فلا حرج، بشرط ألا يبقى الزي بعد ذلك شعارًا مختصًا برجال الدين.

حكم مخاطبة القسيس بلقب «الأب»

وكذلك الأولى والأحوط أن تتجنب مخاطبة القسيس بلقب «الأب»، وأن تستعمل بدلًا منه اسمه أو وظيفته أو لقبًا محايدًا، كالأستاذ أو الدكتور. فإن اضطررت إلى استعمال هذا اللقب؛ لأنه المعتمد في المخاطبات داخل الكلية، من غير اعتقاد لمعناه الديني ولا قصد لتعظيم شعائرهم، فينبغي أن يقتصر ذلك على قدر الحاجة. ويؤيد ذلك ما قرره العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى، حيث قال:

«(قوله: وكذا يكره قوله: يا سيدي لغير مسلم) أي لما فيه من التعظيم، ومفهومه أنه لو لم يكن على وجه التعظيم، بل جرى على لسانه بلا قصد إليه، أو كان لمعنى لغوي محض، كأن يخاطب من يملكه، أو كان لمعنى الاحترام لأجل علمه أو حرفته لا لذاته، فلا كراهة، لكن لا يخفى أن الأولى التحرز عنه مطلقًا؛ لأن التعظيم لا ينفك عن هذا اللفظ عرفًا إلا بقرينة ظاهرة». (2)

وبناء على ذلك، إذا خلت المخاطبة من معنى التعظيم الديني، واقتضتها حاجة الدراسة أو النظام المعمول به في الكلية، فلا حرج فيها، مع بقاء العدول إلى الألفاظ المحايدة أولى وأحوط.

اختيار أخف الضررين عند ضيق الخيارات

ولما كانت الخيارات التعليمية في زماننا قد اتسعت، وتعددت الجامعات والبرامج، فإن على المسلم أن يبذل وسعه في البحث عن بديل مناسب يخلو من هذه المحاذير ما أمكن. فإن لم يجد، أو تعذر عليه الالتحاق به تعذرًا معتبرًا، ولم يبق أمامه إلا هذان الخياران، فليختر الكلية التي يكون فيها أقدر على اجتناب المخالفات الشرعية، والمحافظة على دينه بقدر استطاعته.

والله تعالى أعلم.

الشيخ الدكتور باسم عيتاني

هو الشيخ الدكتور باسم حسين عيتاني من مواليد بيروت – لبنان عام 1965

حاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 2005

من مشايخه: الشيخ محمد طه سكر والشيخ أديب الكلاس والشيخ ملا عبد العليم الزنكي والشيخ عبد الرحمن الشاغوري والشيخ عبد الرزاق الحلبي والشيخ د. مصطفى ديب البغا والشيخ د. وهبي الزحيلي ود. محمد الزحيلي وغيرهم رحمهم الله جميعا.

 لديه العديد من الخبرات والتخصصات العلمية و الإدارية، وقد شغل مناصب علمية وإدارية في العديد من الجهات والمؤسسات العلمية والثقافية والإسلامية الحكومية وغير الحكومية في لبنان وخارجه من ذلك

 Seekers Guidance – عضو في اللجنة العلمية في مؤسسة

 التعليم المفتوح عبر الإنترنت حتى الآن

– عميد كلية الدعوة الجامعية للدراسات الإسلامية – الدراسات العليا عام 2021-2020

مدير دار إقرأ للعلوم الإسلامية 1998- 2018

مدرس للعديد من المواد و المناهج العلمية في الفقه و الأصول و العقيدة و التفسير .. ومناقش و مشرف على العديد من الرسائل

والاطاريح العلمية في الماجستير والدكتوراه في العديد من الجامعات و الكليات في لبنان له مؤلفات وأبحاث  في مجال العلوم الإسلامية

أقوال الإمام زفر المعتمدة في المذهب الحنفي – الاجتهاد الجماعي سمو فكري في القرن 21 – العرف وأثره في الفقه الإسلامي

المشاركة في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل لبنان وخارجه

اللغات : العربية: ممتاز  الفرنسية: جيد الإنكليزية: وسط

الهوامش:

1- ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج2، ص51، كتاب الصلاة، باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها، ط. دار الكتاب الإسلامي.

2- ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، كتاب الحظر والإباحة، ج6، ص396، ط. دار الفكر، بيروت.