هل يجوز تقليد من أباح الموسيقى للتعلّق بها؟
Shafi'i Fiqh
يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض
السؤال
هل يجوز تقليد من أباح الموسيقى للتعلّق بها؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فحرص السائل على معرفة الحلال والحرام واجتناب الكبائر أمر محمود، نسأل الله أن يزيده هدىً وتوفيقًا. واحب ان اذكره أن من يترك المعصية خوفا من الله و امتثالا أمره فهذا مأجور على تركه لتلك المعصية ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي : ( … إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا ، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) البخاري (7501) ومسلم (129)
لا شك أن مسألة الموسيقى من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم، إلا أن جمهور الفقهاء على المنع، مستدلين بقوله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6].
وقد فسر جماعة من السلف، منهم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، لهو الحديث بالغناء، وقال ابن مسعود: «والله الذي لا إله غيره إنه الغناء». واستدل جمهور العلماء بذلك على ذم الغناء وآلات اللهو.
و بحديث البخاري أن النبي ﷺ قال:«ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف»أخرجه البخاري (5590) ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قرن المعازف بالخمر والزنا، وذمَّ من يستحلها، والاستحلال إنما يكون لما هو محرم في الأصل.
فهذا هو الأحوط للدين، ولا سيما في هذا الزمان الذي اقترنت فيه أكثر صور الموسيقى بما لا يخلو من منكرات أو إشغالٍ عن ذكر الله، أو إثارةٍ للشهوات، ولذلك فإن الأخذ بقول الجمهور أسلم للمرء وأبرأ لذمته.
وأما وجود بعض العلماء الذين رخّصوا في بعض صورها، فلا يعني أن يجعل المسلم هذا القول مخرجًا لمجرد موافقة ما تهواه النفس؛ فإن من أصول الفتوى أن الرخصة إنما تُؤخذ عن اجتهاد أو تقليد معتبر، لا لمجرد طلب الأيسر. فإذا كان باعث الأخذ بالقول المرخِّص هو صعوبة الترك أو شدة التعلق، فإن الأولى بالمسلم أن يجاهد نفسه، ويستعين بالله، ويأخذ بالأسباب التي تعينه على الاستغناء عنها شيئًا فشيئًا.
لأنه ليس كلُّ قولٍ قيل في مسألةٍ يجوز للمكلَّف أن يتخيَّره لمجرد كونه أيسرَ أو أوفقَ لرغبته؛ لأن المقصود من سؤال العلماء هو معرفة حكم الشرع، لا البحث عمَّن يوافق هوى السائل.
وقد اختلف الأصوليون في جواز انتقال المقلِّد من مذهب إلى آخر، لكنهم شدَّدوا في تتبّع الرخص بقصد التشهّي. وعرَّف الزركشي تتبّع الرخص بأنه: «اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه»،البحر المحيط (8/381).
وقال النووي في بيان علة المنع من التخيّر بالتشهّي: «لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعًا هواه، ويتخيَّر بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز، وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف». المجموع شرح المهذب (1/93–94).
وقال الشاطبي: إن جعل الاختيار تابعًا لميل النفس يفضي إلى إسقاط التكليف؛ إذ يصير المكلَّف حاكمًا على الشريعة بهواه، بدل أن يكون متبعًا لحكمها. وذكر أن تتبّع الرخص مضادٌّ للأمر بردّ التنازع إلى الله ورسوله. الموافقات (5/82، 99، 102–105).
وبناءً على ذلك؛ فإن مجرد تعلُّق النفس بالموسيقى، أو ارتباطها بذكرياتٍ جميلة، أو الشعور بأنها تُخفف التوتر، ليس سببًا شرعيًا يبيح للمسلم العدول إلى القول المرخِّص؛ لأن الرخصة لا تُطلب لموافقة الهوى، وإنما تُتبع إذا قام عليها دليلٌ أو أفتى بها من يُوثق بعلمه ودينه.
وقد قرر جماعة من الأصوليين أن تتبُّع الرخص لمجرد التشهي مذموم؛ قال الزركشي: «تتبع الرخص هو اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه». البحر المحيط (8/381). وقال الشاطبي: إن جعل الاختيار تابعًا لميل النفس يفضي إلى أن يكون الهوى حاكمًا على الشريعة، وهو منافٍ لمقصود التكليف. الموافقات (5/82، 99، 102-105).
ومع هذا كله، فإن الذي ننصح به السائل، ونراه أبرأ لذمته وأحوط لدينه، هو الأخذ بقول جمهور الفقهاء القائلين بمنع المعازف، ولا سيما في هذا الزمان الذي اقترنت فيه أكثر صورها باللهو والمنكرات والإعراض عن ذكر الله. ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ومن جاهد نفسه ابتغاء مرضاة الله أعانه الله وثبَّته، كما وعد سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
والله أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه
الشيخ محمد فايز عوض
هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض من مواليد دمشق – سوريا 1965
درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها
خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985
حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور في باكستان.
له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.
درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،
مدرس في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية
مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول
عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..
من مشايخه الذين قرأ عليهم:
والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.
