هل يجوز تناول دواء في كبسولات من جيلاتين بقري مجهول التذكية؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

وصف الطبيب دواءً على شكل كبسولات مصنوعة من جيلاتين بقري، ولا يُعلم هل ذُكّيت البقرة التي أُخذ منها الجيلاتين ذكاةً شرعية أم لا. ويوجد بديل خالٍ من الجيلاتين الحيواني، لكنه أغلى بكثير ولا يغطيه التأمين. فهل يجوز تناول الدواء الأول، أم يلزم شراء البديل الأغلى؟

الجواب

يجوز تناول الدواء الأول الذي وصفه الطبيب، ولا يلزم شرعًا تحمّل أضعاف ثمنه لشراء البديل؛ لأن الجيلاتين بقري، ولم يثبت أن مصدره محرّم، وإنما وقع الشك في كون الحيوان قد ذُكّي ذكاةً شرعية.

وفي المذهب الحنفي أصل معتبر في تطهير المادة النجسة إذا تحوّلت أثناء التصنيع إلى مادة أخرى مغايرة لها في حقيقتها وخصائصها، وهو ما يُعرف بـ«الاستحالة». وقد أفتى عدد من فقهاء الحنفية بهذا القول عند عموم البلوى.

أنواع الجيلاتين وحكمها

يختلف حكم الجيلاتين باختلاف مصدره:

١. الجيلاتين النباتي أو المستخرج من السمك: الأصل جواز استعماله، ما لم تُخالطه مادة محرّمة أخرى.

٢. الجيلاتين المستخرج من حيوان مأكول اللحم ذُكّي ذكاةً شرعية: جائز استعماله.

٣. الجيلاتين المستخرج من الخنزير: وقع الخلاف في حكمه عند تحقق التحوّل الصناعي. وقد نصّ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم ٢٢٥ (٩/٢٣) على عدم جواز استعمال الجيلاتين الخنزيري في الأغذية، مع جواز استعماله في الدواء عند عدم وجود البديل المباح. وهذه الصورة ليست محل السؤال هنا؛ لأن الجيلاتين المذكور بقري، وليس خنزيريًا.

٤. الجيلاتين المستخرج من حيوان مباح لم تثبت تذكيته الشرعية: وقع فيه خلاف بين المعاصرين من فقهاء الحنفية بناءً على مدى تحقق الاستحالة في عملية تصنيع الجيلاتين؛ فمنهم من يرى أن التصنيع لا يحقق استحالةً كاملة، ومنهم من يرى جواز استعماله إذا تحوّلت المادة إلى حقيقة أخرى مغايرة لأصلها.

الاستحالة عند الحنفية

الاستحالة هي تحوّل المادة النجسة أو المحرّمة إلى مادة أخرى تختلف عنها في حقيقتها وخصائصها، بحيث لا تبقى المادة الأولى على حالها ولا باسمها وصفاتها.

وهذا هو قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني، من كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وقد ذكر الإمام ابن عابدين رحمه الله تعالى أن الفتوى به تكون عند عموم البلوى، فقال: «ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ التَّغَيُّرُ وَانْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّهُ يُفْتَى بِهِ لِلْبَلْوَى كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِالصَّابُونِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَانْقِلَابُ حَقِيقَةٍ وَكَانَ فِيهِ بَلْوَى عَامَّةٌ». [ابن عابدين، رد المحتار، ١/٣١٦]

وبناءً على هذا الأصل، إذا تحقّق في صناعة الجيلاتين تغيّر حقيقي للمادة وانقلابها إلى مادة جديدة، أمكن القول بطهارتها وجواز استعمالها، ولا سيما عند عموم الحاجة أو البلوى.

تطبيق الحكم على الحالة المذكورة

الجيلاتين في هذا الدواء بقري، ولا يُعلم هل أُخذ من بقرة مذكّاة شرعًا أم من غيرها. فالموجود هو الشك في التذكية، وليس العلم بأن الجيلاتين مأخوذ من مصدر محرّم بعينه.

وبالنظر إلى جواز استعمال المادة بعد تحقق الاستحالة عند الحنفية، وعموم البلوى باستعمال الكبسولات الدوائية، يجوز تناول الدواء الذي وصفه الطبيب، ولا يلزم شراء البديل الأعلى ثمنًا لمجرد الاحتياط.

واختيار دواء خالٍ من الجيلاتين الحيواني، أو مصنوع من جيلاتين سمكي أو بقري معتمد بشهادة حلال موثوقة، أحوط إذا تيسّر من غير مشقة أو تكلفة كبيرة، لكنه لا يلزم في الحالة المذكورة.

والله أعلم.

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و