هل أطرح الشك في عدد ركعات الصلاة أم أبني على الأقل؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

أُبتليت بكثرة الشك في صلاتي، فلا أدري أصليت ثلاثًا أم أربعًا، فأعيد الصلاة أحيانًا أكثر من مرة. فهل أبني على الأقل، أم أطرح الشك وأمضي؟ وكيف أتخلص من هذه الحال؟

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. نسأل الله أن يشفيك شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يذهب عنك ما أنت فيه.

لا تُعِد الصلاة استجابةً لهذه الشكوك المتكررة؛

فالواجب عليك الإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، لا معاملتها معاملة الشك العارض.

والذي يظهر من وصفك أن شكك ليس شكًا عارضًا يقع أحيانًا، بل شك متكرر بلغ حدّ الوسوسة؛ فقد ذكرتَ أنه يقع في أكثر الأيام، وأنك تعيد الصلاة بسببه مرتين وثلاثًا حتى يخرج الوقت وأنت منهك.

وللشك المتعلق بالصلاة صورتان

أولًا: الشك العارض غير المتكرر

وهو أن يعرض للمصلي الشك أحيانًا من غير أن يكون كثير الشكوك أو مستوليًا عليه الوسواس؛ كأن يشك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا. فهذا يبني فيه المصلي على اليقين وهو الأقل، ويتمّ صلاته، ويسجد للسهو.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في «روضة الطالبين»: «ولو شكّ هل صلّى ثلاثًا أم أربعًا؟ أخذ بالأقلّ، وأتى بالباقي، وسجد للسهو؛ ولا ينفعه الظنّ، ولا أثر للاجتهاد في هذا الباب». [النووي، روضة الطالبين، ١/٣٠٨]

وقال الخطيب الشربيني رحمه الله تعالى في شرحه على المنهاج ما معناه: إن من شكّ في رباعية أصلّى ثلاثًا أم أربعًا أتى بركعة، لأن الأصل عدم فعلها، وسجد للسهو للتردد في زيادتها. [الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ١/٤٣٤] والأصل في ذلك ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ . ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ . فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». [مسلم (571) ]

فهذا حكم الشك العارض، وليس معناه أن المبتلى بالوسواس المتكرر يبني على الأقلّ كلما عرض له شكّ؛ فقد يفتح ذلك عليه باب الوسواس ويزيده.

ثانيًا: الشكوك القهرية المتكررة

أما إذا كثرت الشكوك وتكررت حتى صارت عادة، فصار يشكّ في النية والتكبير والقراءة وعدد الركعات والسجود وصحة الصلاة، فهذه حال تخالف الشك العارض. وأهمّ ما يعين على علاجها:

١. الاستعاذة بالله عند ورود الوسواس: فعن أبي العلاء أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوّذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا». قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. [مسلم (2203) ]

٢. عدم الاستجابة للوسواس: وهذا أهمّ ما ينبغي أن يلتزمه المبتلى بالوسواس المتكرر. فإذا كثرت الشكوك: هل نويت؟ هل كبّرت؟ هل قرأت الفاتحة؟ هل سجدت مرة أم مرتين؟ هل صلاتي صحيحة؟ فالعلاج الإعراض عنها وعدم إعادة الفعل بسببها. فكلما استجاب الموسوس للشك وأعاد التكبير أو القراءة أو الركعة أو الصلاة، قوي الوسواس عليه، وكلما أعرض عنه ولم يلتفت إليه، ضعف وزال بإذن الله تعالى.

٣. عدم إعادة الصلاة بعد انتهائها لمجرد الشك: من القواعد المهمة للمبتلى بالوسواس أنه إذا انتهى من صلاته ثم بدأت الأسئلة والاحتمالات: هل صليت أربعًا؟ هل نسيت سجدة؟ هل أخطأت في الفاتحة؟ فلا يُعيد الصلاة لمجرد هذه الاحتمالات؛ فالشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر بمجرده، وهذا آكد في حق من ابتلي بالوسواس. أما إذا حصل يقين بوقوع خلل مؤثر في الصلاة فله حكمه الفقهي الخاص، ولا يسمى ذلك مجرد شك.

٤. الالتجاء إلى الله بالدعاء بصدق وإخلاص: فيسأل الله أن يصرف عنه الوسواس، وأن يرزقه السكينة والطمأنينة في عبادته، وأن يذهب عنه هذا البلاء.

٥. الإكثار من قراءة القرآن والمحافظة على ذكر الله في كل حال، ولا سيما أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ، ودخول المنزل والخروج منه، ودخول الحمّام والخروج منه، والتسمية عند الطعام، والحمد بعده، وغير ذلك.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله عز وجل خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس». [أبو يعلى، مسند أبي يعلى (4301)]

والوسواس بعامة قد يكون له جانب مرضي يحتاج معه صاحبه إلى مراجعة طبيب أو مختص في الصحة النفسية، وقد يكون من وسوسة الشيطان الذي يريد أن يفسد على المسلم دينه وعبادته وإيمانه. ولا تعارض بين الاستعانة بالعلاج الطبي عند الحاجة وبين العلاج الشرعي من الاستعاذة بالله والذكر والدعاء والإعراض عن الوساوس.

الإعراض سبيل العلاج، لا الإعادة

لا تُعِد الصلاة مرة ثانية أو ثالثة استجابةً لهذه الشكوك المتكررة، ولا تسترسل معها؛ فإذا فرغت من صلاتك فامضِ ولا تلتفت إلى ما يعرض لك بعدها ما دام مجرد شك ووسواس. وإن اشتدّ الوسواس واستمرّ حتى أرهقك وعطّل عبادتك أو حياتك اليومية، فلا حرج في الاستعانة بطبيب أو مختص مؤهل في الصحة النفسية مع الاستمرار في العلاج الشرعي؛ فالأخذ بالأسباب المشروعة لا ينافي التوكل على الله تعالى.

والله أعلم.

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.