هل يجوز العمل في شركةٍ فيها اختلاط؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

 «أعمل  موظّفةً  في  شركةٍ  فيها اختلاطٌ  دائمٌ واجتماعاتٌ  ومصافحةٌ  ومزاح. أحتاج هذا الدخلَ لأسرتي، لكنّي أخاف على ديني وحيائي. هل يجوز لي البقاء؟ وكيف أضبط تعاملي مع الزملاء؟ وهل في دخلي شبهة؟»

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالأصل  أن  عمل المرأة وكسبها من الأعمال المباحة جائز، إذا كان العمل في ذاته مشروعًا، ولم يؤدِّ إلى تضييع واجب أو ارتكاب محرّم. وليس وجود الرجال والنساء في مكان عمل واحد محرّمًا لذاته في جميع الصور، وإنما يختلف حكمه بحسب طبيعة العمل، وكيفية الاجتماع، وما يصاحبه من التزامٍ أو مخالفةٍ للضوابط الشرعية.

وقد قررت الموسوعة الفقهية الكويتية أن الاختلاط يحرم إذا اقترن بالخلوة، أو النظر المحرم، أو التبرج، أو العبث واللهو، أو ملامسة الأبدان؛

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: يَخْتَلِفُ حُكْمُ اخْتِلاَطِ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ بِحَسَبِ مُوَافَقَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَوْ عَدَمِ مُوَافَقَتِهِ، فَيَحْرُمُ الاِخْتِلاَطُ إِذَا كَانَ فِيهِ: الْخَلْوَةُ بِالأْجْنَبِيَّةِ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا. أو تَبَذُّل الْمَرْأَةِ وَعَدَمُ احْتِشَامِهَا. أو عَبَثٌ وَلَهْوٌ وَمُلاَمَسَةٌ لَلأْبْدَانِ؛ كَالاِخْتِلاَطِ فِي الأْفْرَاحِ وَالْمَوَالِدِ وَالأْعْيَادِ، فَالاِخْتِلاَطُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِثْل هَذِهِ الأْمُورِ حَرَامٌ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.

وَيَجُوزُ الاِخْتِلاَطُ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ مَشْرُوعَةٌ مَعَ مُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ لِصَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَصَلاَةِ الْعِيدِ. انتهى بتصرُّف يسير.

حكم العمل المذكور

والحالة الواردة في السؤال تشتمل على أمور مختلفة الحكم:

مجرد الاجتماع المهني المنضبط في مكان ظاهر، أو حضور اجتماع جماعي تدعو إليه حاجة العمل، لا يأخذ حكم الخلوة، ما دام خاليًا من المحظورات.

أما مصافحة الرجال الأجانب فغير جائزة عند جمهور أهل العلم؛ وقد قالت عائشة رضي الله عنها في بيعة النساء: « وَلَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ : قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكِ»رواه البخاري (4891).

والمزاح المتكرر الذي يكسر الحواجز، أو يفضي إلى التبسط والتعلق والفتنة، يجب اجتنابه.

أما الكلام المهني الجاد، والتحية المشروعة، والمجاملة المعتدلة الخالية من الخضوع والإثارة، فلا حرج فيها.

وتحرم الخلوة، وهي انفراد رجل بامرأة أجنبية في مكان لا يؤمن فيه دخولهما في الريبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ » أخرجه البخاري (3006) ومسلم (1341)

وعليه: لا يجوز لك الاستمرار في صورة العمل الحالية بما تشتمل عليه من مصافحة ومزاح غير منضبط، لكن لا يلزمك ترك الوظيفة إذا استطعت إيقاف هذه المخالفات، وضبط تعاملك، وتجنب الخلوة والفتنة.

حكم الراتب من هذا العمل؟

إذا كان أصل نشاط الشركة مباحًا، وكانت الوظيفة التي تقومين بها مباحة، وأديت العمل المتفق عليه، فالراتب حلال في أصله؛ لأنه مقابل عمل مباح. وما يقع من مصافحة أو مزاح أو نظر محرم فهو ذنب مستقل تجب التوبة منه وتركه، لكنه لا يجعل الراتب كله حرامًا.

أما إذا كانت طبيعة الوظيفة نفسها قائمة على عمل محرم، كالترويج للمحرمات أو تزوير المعاملات أو الإعانة المباشرة على الربا ونحوه، فحينئذ يكون الكسب المأخوذ مقابل ذلك العمل المحرم غير جائز.

الخلاصة يجوز لك البقاء في الوظيفة إذا كان العمل في ذاته مباحًا، واستطعت الامتناع عن المصافحة والمزاح المحرم والخلوة وسائر أسباب الفتنة. وحاجتك إلى الدخل معتبرة، لكنها لا تبيح المخالفات التي تستطيعين اجتنابها. فإن تعذر عليك الالتزام بالضوابط، فابحثي عن بديل مناسب، ولا تتركي عملك بصورة توقع أسرتك في ضرر محقق قبل اتخاذ الأسباب الممكنة للانتقال.

وراتـبك حلال ما دام مقابل عمل مباح، ولا يصبح كله حرامًا بسبب مخالفات عارضة، مع وجوب التوبة منها وإزالتها.وتذكري قوله تعالى ﴿ وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا ۝٢ وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2–3].

والله تعالى أعلم.

الشيخ الدكتور محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

 والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.