ما حكم صلة الرحم مع الأقارب المؤذين؟
Shafi'i Fiqh
يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض
السؤال
صلةُ الرحم مع الأقارب المؤذين
بين وجوب الصلة وحفظ النفس والبيت حكم صلة الرحم عند وجود الضرر
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأصل في الشريعة الإسلامية أن صلة الرحم واجبة، وأن قطيعتها محرمة.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ…﴾[النساء: 36].
وقال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل: 90].
كما حثَّ النبي ﷺ على صلة الرحم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[أخرجه البخاري (5185)، ومسلم (47)].
وقال ﷺ أيضًا:«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».أخرجه البخاري (5985).
معنى صلة الرحم
والصلة التي أمر بها الشرع ليست محصورة في كثرة الزيارات، بل تتحقق بكل ما يعده الناس صلةً، مثل:السؤال والاطمئنان والاتصال والإحسان والهدية وقضاء الحاجات.وذلك بحسب القدرة والعرف.
فإذا كانت زيارة الأهل يترتب عليها ضرر محقق في الدين، أو النفس، أو الأسرة، جاز تقليلها إلى القدر الذي تتحقق به الصلة دون الوقوع في المعصية.
الصبر على أذى الأقارب وصلتهم مع ذلك فيه أجر عظيم وقد حثَّ النبي ﷺ على صلة الرحم حتى مع إساءة الأقارب، فقال:«لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».[أخرجه البخاري (5991)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه:أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي.
فقال ﷺ:«لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ». [أخرجه مسلم (2558)]
وهذا يدل على استحباب الصبر على أذى الأقارب ما أمكن، مع الاستمرار في صلتهم والإحسان إليهم.
أما إذا ترتب على الصلة ضرر واقع على الشخص، أو على أهله، أو على زوجته، فقد جاءت الشريعة برفع الحرج.قال النبي ﷺ:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». [أخرجه مالك (2758/600)].
وقال تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وعندئذ تكون الصلة بالمعروف، ويلزم الرجل أن يصل أهله، ولا يلزم زوجته أن تصل أهله أو ترافقه إذا كان في ذلك أذى عليها.
قال الإمام النووي رحمه الله:«وأما صلة الرحم فهي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام، وغير ذلك».[شرح النووي على مسلم (2/201)].
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله ناقلًا عن ابن أبي جمرة: «تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة».[فتح الباري (10/418)].
في الحالة التي ذكرها السائل، يمكن أن تتحقق صلة الرحم بالقدر الذي يحقق المقصود ولا يترتب عليه ضرر، كما ذكرنا من صور التواصل
ونسأل الله عز وجل أن يهدينا جميعًا إلى صلة الأرحام كما أمر، وأن يوفقنا لامتثال أوامره و اجتناب نواهيه، إنه سميع قريب مجيب.
والله أعلم.
الشيخ محمد فايز عوض
هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض من مواليد دمشق – سوريا 1965
درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها
خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985
حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور في باكستان.
له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.
درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،
مدرس في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية
مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول
عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..
من مشايخه الذين قرأ عليهم:
والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد