هل يجوز تفضيل بعض الأولاد في الهبات؟ وما الفرق بينها وبين الميراث؟


Shafi'i Fiqh

يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض

السؤال

حكم التفضيل بين الأولاد في الهبة والعطية في الحياة، والفرق بينها وبين الميراث

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

فإن مسألة التسوية بين الأولاد في العطية حال الحياة من المسائل التي وقع فيها خلاف مشهور بين الفقهاء: هل هي واجبة أم مستحبة؟ كما اتفقوا – في الجملة – على جواز التفضيل إذا وُجد سبب شرعي معتبر.

أولًا: حكم التسوية بين الأولاد في العطية

القول الأول: أن التسوية مستحبة وليست واجبة

ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن التسوية بين الأولاد في العطايا مستحبة وليست واجبة، وأن التفضيل مكروه إذا خلا من سبب، وليس محرمًا.

واستدلوا بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه فضَّل عائشة رضي الله عنها على غيرها من أولاده في بعض عطاياه، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خصَّ ابنه عاصمًا بشيء من العطية.انظر: حاشية الطحطاوي على الدر المختار (3/184)، وجواهر الإكليل (2/225)، ومغني المحتاج (4/400)، والمغني لابن قدامة (9/82).

القول الثاني: وجوب التسوية

وذهب الحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله، إلى وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة، وأن من فضَّل بعضهم على بعض بغير سبب شرعي أثم، ووجب عليه إزالة التفضيل، إما بردِّ ما أعطاه، أو بإعطاء بقية الأولاد مثلَه.

واستدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا ، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ، ثُمَّ بَدَا لَهُ ، فَقَالَتْ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي ، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ ،

فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ ، أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَشِيرُ ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا ، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ . [رواه البخاري (2650) ومسلم (1623)].

واستدلوا أيضًا بأن تفضيل بعض الأولاد بغير مسوغ يورث العداوة والبغضاء بينهم، ويؤدي إلى قطيعة الرحم، ولذلك وصفه النبي ﷺ في بعض الروايات بأنه جور.

التفضيل لسبب شرعي معتبر

اتفق جمهور الفقهاء، وحتى من أوجب التسوية، على أنه يجوز التفضيل إذا قام سبب شرعي معتبر.

قال ابن قدامة رحمه الله(وعلى قياس قول أحمد، لو خصَّ المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضًا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض، أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس.) المغني (6/19).

ومن الأسباب التي ذكرها الفقهاء:

الفقر وشدة الحاجة. والمرض أو الإعاقة. وكثرة العيال. والاشتغال بطلب العلم الشرعي. والعجز عن الكسب. والصلاح والاستقامة .والحاجة إلى قضاء دين ونحو ذلك.بشرط ألا يكون المقصود الإضرار ببقية الأولاد أو حرمانهم من حقوقهم.

الفرق بين العطية والهبة والهدية والميراث

العطية اسمٌ عام يشمل الهبة والهدية ونحوهما من التبرعات الواقعة في حال حياة الإنسان، والهبة والهدية نوعان من أنواع العطية، وتجري عليهما – في الجملة – أحكام الهبة، مع وجود بعض الفروق التي يذكرها الفقهاء؛ فالهدية يقصد بها غالبًا الإكرام والتودد، أما الهبة فالمقصود منها تمليك المال بلا عوض.

ومن أهم أحكامها:

يجوز للواهب أن يهب لوارث أو لغير وارث.

ويجوز له أن يخص غير أولاده بعطية دون غيرهم.

أما إذا كانت العطية لأولاده، فقد وقع الخلاف السابق في وجوب التسوية بينهم أو استحبابها.

ولا تلزم الهبة ولا يتم ملك الموهوب له عند جمهور الفقهاء إلا بالقبض، بخلاف المالكية الذين لهم تفصيل في ذلك.

أما الميراث فيختلف عن العطية والهبة من وجوه جوهرية، منها:

أنه لا يثبت إلا بعد وفاة المورث.

وأنه انتقال قهري للمال بحكم الشرع، وليس تصرفًا اختياريًا من المورث.

وأن التركة توزع وفق الأنصبة التي قدرها الله تعالى في كتابه وسنة رسوله ﷺ.

وليس للمورث أن يغير أنصبة الورثة، أو يزيد بعضهم أو ينقص بعضهم بعد وفاته؛ لأن قسمة الميراث حق شرعي ثابت لا يملك أحد تبديله.

كما أن استحقاق الإرث لا يثبت إلا بتحقق أسباب الإرث وانتفاء موانعه.

و الله أعلم

الشيخ محمد فايز عوض

هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض  من مواليد دمشق – سوريا 1965

درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها

خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985

حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور  في باكستان.

له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.

درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،

مدرس في  جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية

مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول

عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..

من مشايخه الذين قرأ عليهم:

والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد