هل تقليل زيارة الأم كثيرة الانتقاد يُعدّ عقوقًا؟
Shafi'i Fiqh
يجيب عن السؤال الشيخ محمد فايز عوض
السؤال
أمي — حفظها الله — لا يكاد يمرّ لقاءٌ بلا انتقادٍ لي أمام إخوتي وأولادي، وأخرج من زيارتها مكسورًا أيامًا.
أحبها وأخاف العقوق، لكني بدأت أباعد الزيارات لأحفظ نفسي. أهذا عقوق؟ وما حدّ الطاعة فيما تأمر به؟
هل يعتبر تقليل الزيارة لأمٍّ كثيرة الانتقاد من العقوق؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الانكسار الذي تصفه بعد كل زيارة مشقة حقيقية، ومحبتك لأمك مع خوفك من العقوق دليل قلب حيّ يخاف الله في برّه بأمه.
وتقليل زيارتك لتحفظ نفسك من الأذى ليس عقوقًا. فالعقوق المحرَّم شرعًا هو كل قول أو فعل يصدر من الولد فيُلحق بالوالدين أذى ظاهرًا، لا ما يتقيه الولد من أذى واقع عليه هو.
وقد أمر الله تعالى ببرّ الوالدين والإحسان إليهما، وقرن عبادته ببرّهما، ونهى عن كل ما يؤذيهما من قول أو فعل، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قلت: ثم أيّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». [البخاري ٥٢٧؛ مسلم ٨٥]
وقد أجمع الفقهاء على وجوب برّ الوالدين، وعلى أنّ عقوقهما حرامٌ ومن كبائر الذنوب. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في «شرح صحيح مسلم»: «وأجمع العلماء على الأمر ببرّ الوالدين وأنّ عقوقهما حرامٌ من الكبائر». [النووي، شرح مسلم، ١٦/١٠٤]
والعقوق يشمل الأذى المادي، كضربهما أو إتلاف مالهما، والأذى المعنوي، كرفع الصوت عليهما أو نهرهما أو هجرهما وقطع صلتهما. ويُستدل على شمول العقوق لكل أنواع الأذى بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾،
فالنهي عن أدنى مراتب الأذى المعنوي يدلّ بالأولى على تحريم ما هو أشدّ منه. ولا يدخل في العقوق ترك طاعتهما إن أمرا بمعصية، أو كان الطلب صادرًا عن تعنُّت لا مصلحة فيه، ولا قدرة للولد عليه.
وضابط الطاعة الواجبة أن يكون الأمر مباحًا فلا طاعة في معصية، وأن تكون فيه مصلحة حقيقية لهما لا مجرد تحكّم، وأن تكون قادرًا عليه دون أن يلحقك أو يلحق زوجتك وأولادك ضرر معتبر. فإن كانت مجرد مشقة محتملة بلا ضرر فالأصل احتمالها طلبًا للبر،
ولا يُعدّ ترك الطاعة عقوقًا إذا كان الطلب معصية أو تعنّتًا أو خارج القدرة. وحتى عند أعظم الخلاف أمر القرآن بحسن الصحبة مع عدم الطاعة في الباطل: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥].
وحريّ بك أن تتكيّف مع طبع والدتك دون إيذائها : قصّر الزيارة بدل إلغائها، واختر لها وقتًا أو مكانًا يقلّ فيه الاحتكاك، واتصل واسأل واقضِ حاجتها ولو لم تطُل الزيارات. ولا تدخل في جدال أمام إخوتك وأولادك؛ فإذا بدأ الانتقاد فذكّرها مرة بلطف، فإن استمرّ فاعتذر منها بهدوء وأدب في إنهاء الزيارة.
ولا تجعل أبناءك ساحة لهذا الأذى، بل يمكنك أحيانًا زيارتها منفردًا مع إبقاء صلتهم بها بطريقة آمنة ومحترمة.
بين البرّ وحفظ النفس
لا تقطع الزيارة تمامًا، ولكن قلّل مدتها وتكرارها بالقدر الذي يوقف الأثر النفسي الذي يصيبك، مع تعويض ذلك باتصال وخدمة وبرّ واضح. فإذا بلغ الأثر اكتئابًا شديدًا أو خوفًا مستمرًا فاستعن بمن تراه مناسبًا من أخ أو أخت أو قريب عاقل تحترمه أمك ليتوسط؛ فطلب الحماية والعلاج ليس عقوقًا.
والله أعلم.
الشيخ محمد فايز عوض
هو الشيخ الدكتور محمد فايز عوض من مواليد دمشق – سوريا 1965
درس العلوم الشرعية في مساجد دمشق و معاهدها
خريج الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام 1985
حائز على شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من لجامعة الإسلامية بهاولبور في باكستان.
له الخبرة الواسعة في وضع المناهج وتطوير التدريس للعديد من الدورات العلمية وإقامة دورات مكثفة.
درّس الفقه وأصوله وعلوم القرآن وتاريخ التشريع والفرائض وغيرها في عدة معاهد وجامعات مثل: معهد الفرقان للعلوم الشرعية، ومجمع الفتح الإسلامي في دمشق،
مدرس في جامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية في اسطنول للعديد من المواد العربية و الشرعية
مدرس في عدد من المعاهد الشرعية في اسطنبول
عضو رابطة علماء الشام، عضو مؤسسة زيد بن ثابت الأهلية، عضو رابطة العلماء السوريين، عضو المجلس العلمي لمركز الإيمان لتعليم السنة والقرآن..
من مشايخه الذين قرأ عليهم:
والده الشيخ محمد محيي الدين عوض، والشيح محي الدين الكردي، والشيخ محمد كريّم راجح، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أيمن سويد، و الشيخ أحمد القلاش ، و الشيخ محمد عوامة ، والشيخ ممدوح جنيد.
